قضايا محلية

ما يجب تحقيقه في الحوار الإستراتيجي العراقي – الأمريكي

   بدأت في منتصف حزيران الجاري حواراً إستراتيجياً بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، وجاءت الدعوة لهذا الحوار من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على لسان وزير خارجيته مايك بومبيو في السابع من نيسان 2020، ودعوته الى البحث في مستقبل العلاقات بين البلدين وكان الحوار عبارة عن مجموعة من الإجتماعات المتسلسلة بين كبار المسؤولين للبلدين.

للجانبين العراقي والأمريكي مصالح يجب تحققها بشرط توفر بيئة مناسبة في سلسلة تلك الحوارات، فبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية يُعَد العراق مكملاً مهماً لأمن الخليج في المنطقة، كما يعد أرضية رخوة لحالة النفوذ المتشابكة بينها وبين إيران، لذا تنحى الولايات المتحدة الأمريكية منحى تدريجي لإستقطاب العراق عن مساحة هذا التشابك عن طريق تقديم مجموعة حزم بإستخدام أسلوب القوة الناعمة، ولسد الباب بوجه كل من الصين وروسيا حيث يحاولان أن يوسعا نفوذهما عن طريق ايران على حساب المصالح الأمريكية.

وقد أعلن في وقت سابق عن اسماء الفريق التفاوضي العراقي مع الجانب الأمريكي والذي تألف من 21 مفاوضاً موزعين بين عدة إختصاصات بينها السياسة والعلاقات الدولية والعسكرية والتعليم والمالية ومن هم دون درجة وزير، بينما يتكون الفريق التفاوضي الأمريكي بقيادة مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون السياسية ديفيد هيل بالإضافة الى نائبيه والسفير الأمريكي في العراق ماثيو تولر وعدد من المختصين في المحاور الرئيسة للحوار.

ملفات الحوار الإستراتيجي

في الواقع الملفات التي طرحت في الحوار لا تحتوي فقط على ملف واحد بل عدة ملفات، وهذا يرجع في الحقيقة الى طبيعة الملفات المتشابكة بين البلدين والتي ترجع الى شكل العلاقة التي تحكمهما في ظل التناقضات الحاصلة على طول فترة الممتدة من 2003 الى يومنا هذا، والتي يُعد العراق فيها الطرف الأضعف في تلك العلاقة نتيجة حالة الصراع التي شهدتها المنطقة والتي كان العراق فيها بعيدا عن طاولة التفاوض والحوار وهذا امر واضح، فمنذ 2003 لم تتوفر للعراق فرصة حقيقية للجلوس على طاولة حوار ومفاوضات مع الولايات المتحدة نتيجة لعب الجارة ايران دورا واسعا في هذا المجال، لهذا نجد أن هناك فرصة حقيقية للعراق لتمثيل نفسه ولتوسيع مساحة سيادته من خلال هذا الحوار والذي يزيد من قوة العراق الإقليمية من خلال تمثيل نفسه كدولة ذات سيادة.

أن الأصل الذي أعتمد على عقد هذا الحوار يرتكز في الأساس على اتفاقيتين قائمتين والموقعتان في كانون الأول 2008 ودخلتا حيز التنفيذ في كانون الثاني 2009، وهما كل من اتفاقية الإطار الإستراتيجي (SFA)  والتي تغطي العلاقات السياسية والإقتصادية والأمنية مع العراق عن طريق إقامة علاقات إقتصادية ودبلوماسية وثقافية وأمنية تخدم علاقة ثنائية طويلة الأمد من خلال الأهداف المشتركة، واتفاقية وضع قوات التحالف  (SOFA) والتي تحدد طبيعة العلاقة الأمنية بين البلدين، حيث توجه هذه الإتفاقية علاقة الولايات المتحدة الأمنية إتجاه العراق كما تحدد الوجود الأمريكي في العراق ونشاطاتها وعمليات انسحابها في النهاية، حيث يضمن ذلك حماية حيوية للقوات الأمريكية كما يوفر الغطاء القانوني للقوات الأمريكية حيث تُعَد تلك الإتفاقيتان المنطلق الأساسي الذي من الممكن بدأ الحوار بين البلدين، وهذا ماستحدده طبيعة سلسلة الحوارات بين البلدين بكافة مستوياتها والمعتمدة على المصالح المشتركة بين البلدين، حيث ينظر الى العراق من جانب الولايات المتحدة على انها منطقة جيواستراتيجية مهمة تخلق حالة توازن في المنطقة  بالإعتماد على المنطلقات الديمقراطية التي حاولت واشنطن تثبيت دعائمها من عام 2003 والى الآن.

ولعل من أهم القضايا التي تم طرحها في جولة الحوار بين العراق والولايات المتحدة كالآتي:-

1- الجانب العسكري: تضمن تمديد تواجد القوات الأمريكية ضمن قوات التحالف ضد داعش الإرهابي وتنظيم تواجده.

2- الجانب الأمني: تضمن تقديم المساعدات اللوجستية والدعم للقوات الأمنية العراقية وتدريب كافة صنوفه وتقديم المستشارين، وتحديد صنوف التشكيلات الأمنية وحصر السلاح بيد الدولة.

3- الجانب المالي: والمتعلق بتقديم حزم من المساعدات المالية المباشرة والمساعدات الإقتصادية والصحية، وتهيأة كافة المستلزمات المالية الضرورية التي من الممكن ان ترفع من مستوى كفاءة القطاعات الحكومية.

4- الجانب الثقافي: والذي تم من خلاله فتح منح مجانية للطلبة العراقيين والأكاديميين وتبادل الخبرات في هذا المجال اضف الى ذلك عقد المؤتمرات العلمية بين الجامعات الأمريكية والعراقية، وتهيئة المختبرات العلمية والطبية، وتدريب الكوادر البشرية على التخصصات الدقيقة في كافة المجالات الوظيفية.

تحديات الحوار الاستراتيجي

انعقد الحوار الذي أقترح من جانب الولايات الأمريكية في ظل عدة تحديات وأزمات تعصف العالم بصورة عامة والعراق خاصة، حيث يمثل إنتشار فيروس كورونا (كوفيد 19) وما تلاه من إنخفاض حاد في إسعار النفط، مما أضر بإيرادات العراق المالية والذي إنعكس سلباً على الإقتصاد العراقي من أهم التحديات التي ستلقي بظلالها على الحوار الإستراتيجي وهو عامل تحدي سيواجه قوة المفاوض العراقي حال بدء الحوار.

ليس بالبعيد حيث بدت العلاقة تتعقد بين العراق والولايات المتحدة بعد سلسلة هجمات إستهدفت المصالح الأمريكية في العراق نهاية 2019 حيث نسبت واشنطن تلك الهجمات الى جماعات عراقية مسلحة مرتبطة بإيران، وتدهور الوضع أكثر بعد إغتيال قائد فيلق القدس الإيراني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي بغارة جوية أمريكية في بغداد مطلع كانون الثاني، بعدها صوت البرلمان العراقي بصورة رسمية بسحب القوات الأمريكية الموجودة في البلاد في إطار التحالف الدولي لمحاربة داعش الإرهابي.

كل ماذكر جعل من العملية التفاوضية عملية غير سهلة، اضف الى ذلك انها تخللها مجموعة من الحوارات وسلسة من اللقاءات وفي كافة المستويات، كما ان هناك تحدي كبير آخر يمكن أن يعصف تلك المفاوضات وهو العامل الإقليمي ونقصد حرفيا إيران، نحن نعرف أن لنا تاريخ من العلاقات التي لا يمكن نكرانها معها كما ندرك ايضاً طبيعة العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة والذي سيلقي بطريقة أو بأخرى على عموم المفاوضات، وهنا يجب أن يكون مفهوم التوازن وتحقيق المصلحة مع الإبتعاد قدر الإمكان عن طرح قضايا تزيد من حالة الشد والجذب بين الطرفين أولوية قصوى للمفاوض العراقي، لا سيما أن الفريق التفاوضي الأمريكي يتمتع بقوة ومهنية عالية، وهذا يجب وضعه في قسم التحديات التي ستواجه المفاوض العراقي ووضعه في نظر الإعتبار.

دعوة لحوار أم إستدعاء لإختيار

تتناول فلسفة الحوارات والمفاوضات في كافة أوجهها الى التوجه العام لإطرافه من أجل الحصول على أعلى مكاسب يمكن تحقيقها، وهذه الفلسفة تعتمد في الحقيقة على طبيعة العقلية التفاوضية التي يجب أن يتمتع بها أطراف العملية التفاوضية، كما يرجع الى منطلقات القوة التي سيتم بها هذا الحوار. يجب أن يدرك الفريق التفاوضي العراقي، الى أن الدعوة قد تمت من الطرف الأمريكي، هل هي دعوة حوار لدولة ذات سيادة لها حق طرح بدائل متعددة تناسبها من أجل التوصل الى اتفاقات ترضي الطرفين ويحقق الغاية الحقيقية التي من أجلها عقد هذا الحوار؟، أم إنها دعوة لخيارات محددة عدت سابقاً من جانب الولايات المتحدة الأمريكية على العراق، والتي على أساسها سيتم إعادة النظر في كافة المساعدات الإقتصادية والعسكرية والمنح المالية والخ..؟ في حال لم يتم التوصل الى اتفاق يرضيها.

يجب أن يكون للمفاوض العراقي أطر معينة قد حددت سابقاً له من قبل القائمين على صنع القرار، فعلى الأقل لا يتجاوز الخطوط الحمراء، والإلتزام ببعض الحرية التي سيتم منحه له من أجل إبداء المرونة المطلوبة في حال بدء المفاوضات وهذا يجعل العملية التفاوضية تميل الى الجانب العراقي، كما يجب النظر الى عوامل القوة التي يمكن من خلالها نفاذ المفاوض العراقي لتحقيق مكتسبات أكبر تحقق مصلحة جمعية للعراق. بيد أن الأزمة الصحية العالمية ومارافقها كما ذكرنا من تراجع في اسعار النفط والخلل الحاصل في الإقتصاد العراقي لربما كلها عوامل ستجعل موقف المفاوض العراقي حساس وضعيف نسبياً لأنه بحاجة استمرار بقاء الولايات المتحدة الى جانبه، وهذا مايستدعي إدراك كم هائل من الواقعية في العقلية التفاوضية العراقية للتعاطي مع محاور الحوار بإستجابة حقيقية تعطي انطباع ان العملية التفاوضية تتم بين دولتين ليس متكافئتين بالقوة ولكن على الأقل متكافئتين بصنع القرار السيادي والإرتكاز على مفهوم المصلحة الوطنية دون النظر الى البعد الإقليمي بالدرجة التي قد تؤثر على طبيعة طرح محاور المفاوضات برمتها.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات