تشير قواميس المصطلحات الاجتماعية والسياسية إلى الاختلاف الكبير من مصطلح الطبقية، والطبقة الوسطى، حيث أن المصطلح الأول يدلل على حجم التفاوت المالي وفقدان العدالة بين المواطنين في البلد الواحد، في حين يشير مصطلح الطبقة الوسطى إلى وجود فئة اجتماعية من الشعب تتميز عن الآخرين بالمقومات الثقافية والاقتصادية، مما تجعلها منتجة في تقديم النفع الذي يصب في المصلحة العامة ومسكها لزمام المبادرة في كل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصناعية والثقافية وما إلى ذلك، لهذا تعد الطبقة الوسطى عماد المجتمع في أي دولة ناهضة وتسعى إلى التقدم.

كما أنها -أي الطبقة الوسطى- عادةً ما تكون سمة من سمات المجتمعات المستقرة وتشهد مستويات نمو متطورة، كما شهدت ذلك اقتصاديات البلدان ذات الأسواق الناشئة، التي بدأت بالتصاعد مع منتصف القرن الحادي والعشرين والتي تساهم ما نسبته 45% من الناتج الإجمالي العالمي ويتوقع أن تزداد مساهمتها في الناتج الإجمالي العالمي المذكور إلى70% في العقد القادم من الزمن كما يشير إلى ذلك الخبير مظهر محمد صالح الخبير الاقتصادي العراقي.

بالنسبة للعراق تفاوت تأريخه السياسي والاجتماعي بين سيادة الطبقية، ونمو الطبقة الوسطى واضمحلالها، فعندما كان العراق كدولة زراعية في إطار نفوذ الدولة العثمانية كانت تسيطر عليه الطبقية الريفية الإقطاعية مع وجود هامش ثقافي ونمو خجول للطبقة الوسطى لكن مع بدايات العهد الملكي أخذت الطبقة الوسطى في التطور -كما يشير إلى ذلك بالتفصيل الكاتب حنا بطاطو في كتابه الطبقات الاجتماعية في العراق-، وحتى مع تأسيس الجمهورية في العراق مع ما شهدته من اضطرابات سياسية وتغيير في بنية الاقتصاد العراقي الزراعي آنذاك، شهد العراق بروز نمو طبقة وسطى ترتكز هذه المرة على الطبقة العسكرية، وظلت في التطور إلى حدود السبعينات من القرن الماضي، التي تعتبر فترة أفول الطبقة الوسطى في العراق وكانت بمثابة إنهيار الطبقة الوسطى عبر انتشار إيديولوجية البعث الشعبوية القائمة على السذاجة والأحادية الفكرية والاقتصادية وتسخير اقتصاديات الدولة وأبناء الطبقة الوسطى لأجندات سياسية عبثية، وعاشت الطبقة الوسطى مع دخول العراق في الحرب مع إيران حالة التغريب الكامل، وتعرضت لشتى أنواع الاتهام والاضطهاد والتفقير، ومن ثم بدأت في الانسلاخ بصورة نهائية، وهرب الكثير من شرائح هذه الطبقة إلى خارج العراق، في حين بدأت الطبقة السياسية والاجتماعية في الاستفحال على أسس مناطقية واقتصادية ومن مظاهر هذا التحول السلبي في تلك الفترة ما يلي:

- المناطقية والتمييز على أساس المدن ومن ثم على أساس المناطق، فلم يلحظ التمايز المهني القائم على أسس المهنية والثقافة.

- بروز الطبقة التجارية التي تحولت إلى اوليغاشية اجتماعية واستفحال ظاهرة الفقر الشديد لاسيما مع دخول العراق في الحصار الاقتصادي مع بدايات التسعينات.

- انتشار القمع السياسي والاضطهاد السياسي فتعرض ما تبقى من الطبقة الوسطى أما اللجوء إلى موالاة السلطة أو التعرض للقمع أو مغادرة الدولة واللجوء إلى دول أخرى.

- الاضطهاد السياسي اتجاه رجال وعلماء الدين بقدر ما أدى إلى انزواء هذه الجماعات فأنه ساهم بصورة غير مباشرة في تكوين طبقة من رجال الدين أخذت بالنمو بعد تعاطف الشرائح المجتمعية في العراق لاسيما في مناطق بغداد ومدن وسط وجنوب العراق التي ستبرز بقوة بعد سقوط النظام الاستبدادي بعد بروز الأحزاب ذات الإيديولوجيا الدينية إلى جانب بروز طبقيات أخرى كالعرقية الكردية وتيارات أخرى سنية تتراوح بين القبلية والإسلامية المتشددة والبراغماتية الواقعية.

حيث مثلت فترت ما بعد سقوط النظام السياسي الشمولي بداية لمرحلة جديدة أريد لها أن تعيد الطبقة الوسطى من جديد بدءاً من تحسين الواقع المالي والوظيفي، لكن عدد من العناصر السلبية أدت إلى انتكاسة هذه العودة منها بنية النظام السياسي الجديد الذي ساده ثقافات عرفية قائمة على أسس خاطئة لم تفلح في إعادة الطبقة الوسطى إلى مسارها في فترات الأربعينات والخمسينات، من خلال سيادة أنماط غريبة في تسيير مؤسسات الدولة، وغياب الخطط الإستراتيجية في تنمية قطاعات التعليم والثقافة، إضافة إلى القطاعات الاقتصادية التي لا تزال مرهونة بهيمنة الأحزاب والكتل السياسية التي أشرنا إلى شكلها السياسي والاجتماعي التي تحولت إلى طبقية اولغارشية سياسية قائم على حكم المال والثروة ككسب غير مشروع.

استنتاجا لما تقدم، مع الاغتراب الذي حل بالطبقة الوسطى واستفحال الطبقيات التي بدأت مع ظهور الأنظمة الدكتاتورية وتواصلت مع الفوضى الحزبية السياسية في عراق ما بعد النظم الشمولية والدكتاتورية، وحتى ننهض بالطبقة الوسطى لابد أن تعتمد على عدد من الأسس ومنها ما يلي:

1- التنمية الاقتصادية وانعكاسه على مختلف القطاعات.

2- سيادة حكم الكفاءات وتطويق المحاصصة الطائفية والحزبية التي تمثل حجر عثرة أمام نمو الطبقة الوسطى في العراق.

3- إشاعة ثقافة المواطنة المجتمعية عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية، القائمة على ثنائية الأمة – الدولة، هذه الثقافة تشجع من انتماء الناس إلى ثقافة الدولة وترك الثقافات الفرعية ومحاصرة الطبقيات السياسية والاجتماعية والعشائرية والدينية والعرقية.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات