أرسل المرشح لرئاسة الحكومة العراقية السيد مصطفى الكاظمي المنهاج الوزاري لحكومته إلى مجلس النواب العراقي بكتاب رسمي على أمل أن تحظى بقبول الكتل السياسية وأعضاءها الممثلة في المجلس النيابي، ولم يتضح الموقف النهائي لهذه الكتل فيما إذا كانت ستمنح الثقة للكابينة الحكومية أم لا، إذ جرت العادة في سياق سلوك ونهج الأحزاب والكتل السياسية أنها تحدد مواقفها السياسية ليس على البرامج وإنما على أساس المصالح، فيما يكتسب المنهاج الحكومي أهميته لدى المراقبين وعموم الشعب من خلال ما ستبدو عليه رؤية عمل أي حكومة في مرحلة ما بعد نيل الثقة، هذا إذا ما التزم رئيس الحكومة ووزراءه في المنهاج الحكومي أو يخضع لرؤى وتوجهات سياسية مغايرة لتلك التي وردت في المنهاج الحكومي، وهي السمة السائدة في أغلب المناهج الحكومية، كما أنها السمة لدى الكتل والأحزاب السياسية قبل الحملات الانتخابية، عموما يمكن قراءة منهاج حكومة الكاظمي وفريقه التشاوري من خلال المحاور الآتية:

أولاً: الانتخابات المبكرة

تعهد الكاظمي في برنامجه الحكومي بإجراء انتخابات مبكرة بعد استكمال المتطلبات القانونية وبأشراف أممي دون أن يحدد السقف الزمني لإجراءها، علما أن إحدى أهم مطالب الحركة الاحتجاجية وبعض القوى الدينية والسياسية هي إجراء انتخابات مبكرة خلال فترة ستة أشهر.

ثانيا: مكافحة جائحة كورونا

تعهد الكاظمي أيضا بمكافحة جائحة كورونا من خلال ما أسماه بناء نظام صحي حديث معتمدا على رؤية مستقبلية، وفي ذلك يريد الكاظمي أن يؤكد على جهود خلية الأزمة وتقارير منظمة الصحة العالمية التي تنص على ضرورة تكثيف الجهود، والاستعداد لفترات قد تطول في مكافحة وباء كورونا. يأتي هذا كتأكيد على خطاب التكاليف من أن الحكومة تتعهد بأن تكون في خط الدفاع الأول لحماية العراقيين من خطر فيروس كورونا. وقال ستبذل حكومته قصارى الجهود وتستخدم كل العلاقات الداخلية والخارجية لحماية العراق في مواجهة هذا الوباء العالمي. نعم، سنرعى المتضررين من حظر التجوال وندعم الكوادر الصحية والطبية والأجهزة الامنية الآن ومستقبلا، وسنوفر الميزانيات اللازمة لحماية الصحة العامة.

ثالثاً: الأزمة الاقتصادية وانخفاض أسعار النفط

مع الانخفاض الحاصل بأسعار النفط بسبب الصراعات الدولية هنا وهناك المتزامنة مع انتشار وباء كورونا، وفي بلد مثل العراق يعتمد كليا على النفط ويشكل ما نسبته 90% من موارد الموازنة الاتحادية، هناك مخاوف حقيقية من انهيار الاقتصاد العراقي، وما قد يسببه من تداعيات كل مجمل الأوضاع في البلد ومن ضمنها الموازنة التشغيلية المتعلقة بالرواتب وما شابه، فأراد الكاظمي أن يطمأن الشعب العراقي دون أن يضع الآليات اللازمة لذلك، مقتصرا كلامه على التنويه بشكل عام.

رابعاً: السيادة الوطنية

حاول الكاظمي أن يشير إلى ضرورة التأكيد على احترام السيادة الوطنية وذلك عبر ما اسماه بأبعاد العراق عن صراع المحاور من خلال تبني العراق أطروحة فتح الحوار بين الدول المتصارعة وتحييده عن أي صراع إقليمي أو دولي محتمل، لا سيما وأن العراق قد مضى طوال الفترة السابقة عرضة للانتهاكات العسكرية والسياسية. وقد أشار الكاظمي أيضا في مناسبة سابقة من أن السيادة خط أحمر، ولا التنازل على حساب كرامة العراق والعراقيين، العراق بلد عريق يمتلك قراره السيادي، والحكومة ستكون ساهرة على السيادة الوطنية ومصالح العراقيين. مؤكدا على أن سيادة العراق لن تكون قضية جدلية، وقرار العراق بيد أبنائه، العراق للعراقيين.

خامساً: مكافحة الفساد

أشار الكاظمي من خلال منهاجه إلى مكافحة الفساد دون أن يوضح أو يدلل على الآليات اللازمة لذلك. وأكد ذلك من خلال المحور الخامس في الفقرات (1و2) متعهدا بتعزيز مؤسسات الدولة من أجل القضاء على الفساد بشتى أشكاله ومن ضمنه إرجاع الأموال المهربة خارج العراق، وتسخير إمكانات الدولة الأمنية إذا ما كان هناك تحديات داخلية قد تسببه الجهات السياسية.

سادساً: ترسيخ قيم المواطنة

من خلال تركيزه على احترام الخصوصيات القومية والدينية والمذهبية، وعدم السماح للخطابات الهوية بما يثير النزعات الأهلية.

سابعا: تطوير المؤسسات الأمنية وإصلاحها

أكد الكاظمي على أهمية المؤسسات الأمنية كقوة الجيش والشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية، وهيئة الحشد الشعبي، والبيشمركه، وغيرها كقوى قانونية ومحاولة إخضاعها للقوانين العسكرية النافذة، فيما لا يزال الجدل دائرا داخليا وخارجيا حول الدور السياسي لبعض القوى المسلحة، إضافة إلى مطلب حصر السلاح بيد الدولة، وقد عبر الكاظمي في خطاب التكاليف عن ذلك أيضا من السلاح كل السلاح، الثقيل، المتوسط، الخفيف، هو اختصاص الدولة لا غير الدولة، الدولة فقط، السلاح ليس اختصاص الأفراد ولا المجموعات. والمؤسسات العسكرية والأمنية بمختلف صنوفها، الجيش والشرطة، الحشد الشعبي، والبيشمركة ستقوم بواجبها لمنع انفلات السلاح، وسنعمل على حصر السلاح بإجراءات حاسمة. المطلب هذا الذي بقى لحد الآن شعارا وحبرا على ورق ليس إلا ولم يستطع أي من رؤساء الحكومات السابقة وربما حتى صاحب البرنامج هذا من تحقيق هذا المطلب بفعل الضواغط الداخلية والصراعات الخارجية.

ثامنا: الوجود العسكري الأجنبي في العراق

ذكر الكاظمي في منهاجه الحكومي من أنه سيجري مفاوضات جادة مع قيادة الدول المشتركة في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، دون أن يوضح طبيعة المفاوضات المرتقبة وطبيعتها، لكن في المجمل هناك سابقة من الكاظمي نفسه من انه سيجري هذه المفاوضات مع الولايات المتحدة من أجل تحديد سقف للانسحاب من العراق كليا. فيما يشكك العديد من المراقبين عن قدرة الكاظمي على ذلك في الوقت الذي يعد البعض الكاظمي من المقربين للولايات المتحدة.

تاسعاً: تطوير بعض القطاعات الاقتصادية والاستثمارية

يضع الكاظمي في منهاجه في المحور ثالثا الفقرات من (1 الى 9) سرد نظري في تطوير الاقتصاد، وتطوير نطاق الرعاية الاجتماعية، والتجارة والسياحة، وتطوير قطاعات الاستثمار وهيئة البنك المركزي. مشيرا إلى أنه سيحرك حركة الاقتصاد لتوسيع الاستثمارات وتنويع الدخل وتشجيع الصناعة والزراعة والتجارة.

عاشرا: العلاقات الخارجية

حدد الكاظمي العلاقات الخارجية للدولة العراقية في المرحلة القادمة من خلال ثلاث مرتكزات:السيادةالتوازنالتعاون

إحدى عشر: تحقيق العدالة

افترض الكاظمي أن من أجل الوصول إلى الدولة الناجحة هو تحقيق العدالة عبر دعم الهيئات القضائية، وإقرار القوانين والتعليمات اللازمة لاستقلال القضاء.

إثنا عشر: الحركة الاحتجاجية

أشار الكاظمي في برنامجه الحكومي إلى الاحتجاجات كقوة ضاغطة دخلت على خط العملية السياسية في العراق بقوة، فقد أشار لها في المحور الأول الفقرة (5)، وخصص لها المحور السابع والأخير من البرنامج تحت عنوان (الاحتجاج السلمي طريق لإرشاد الدولة)، وأشار الكاظمي إلى أهمية تأسيس مجلس استشاري شبابي تطوعي مرتبط بمكتب رئيس الحكومة بهدف التنسيق في مجال الإصلاح، وهو هدف يدلل على محاولة الكاظمي مغازلة الجمهور المحتج طوال الفترة السابقة وقد شكلت الحركة الاحتجاجية عنصر ضغط أرغم الكتل السياسية تقديم تنازلات كبيرة ومنها استقالة حكومة  السيد عادل عبد المهدي.

ومما تقدم، نستطيع القول: إن المنهاج الحكومي للسيد مصطفى الكاظمي استكمالا وتكرارا لما ذكره في خطاب التكاليف ومن أهم مواده ما يلي:

- الانتخابات المبكرة بقيود قانونية دون أن يضع سقفا زمنيا لأجرائها.

- التأكيد على السيادة وإبعاد العراق في صراع المحاور.

- تعزيز الإجراءات الصحيحة والأمنية في محاربة وباء كورونا.

- محاولة تدارك تداعيات انخفاض أسعار النفط العالمي.

- التأكيد على قيم المواطنة.

- كما تضمن المنهاج الحكومي محاور عامة تخص تطوير الاقتصاد والسياحة والتجارة

لم يحدد طبيعة التفاوض ومدتها مع قيادة القوات الأجنبية في العراق رغم الإشارة إليها وهل هي هدف لحكومته أم محاولة لإرضاء بعض الأطراف الداخلية والخارجية.

- تطوير علاقات العراق الخارجية وفق مرتكزات: السيادة، والتوازن، والتعاون.

- مغازلة الحركة الاحتجاجية ومحاولة تحقيق مطالبها وفتح مكاتب للحوار مع أقطابها.

فيما خلى المنهاج الحكومي من مسائل أساسية كالمشاكل مع الكرد حول قضايا مهمة كتصدير النفط والقضايا السيادية الأخرى.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات