الطب مهنة إنسانية نبيلة لا يختلف إنسان حولها، في حين أن السياسة مختلف حولها، عندما يتم الحديث عن السياسة بشكل عام يتبادر إلى الأذهان الحيلة والمكر، ولم يتبادر إلى الأذهان المعنى الحقيقي لها من كونها فن إدارة الحكم، وهذه الصورة النمطية السلبية للسياسة لم تأتي من فراغ، بل كون أن غالبية السياسات المتبعة تعتمد الغاية تبرر الوسيلة للوصول إلى غاياتها بغض النظر عن تبعاتها من الفقر والأمراض والحروب وغيرها، بمعنى أن الصورة السلبية للسياسة متأتية من الممارسة السلبية لها وليس بالضرورة المعنى الاصطلاحي الحقيقي لها.

تعاني غالبية الدول العربية والإسلامية من مشاكل سياسية لها بداية وليست لها نهاية، فهي الأولى في أن تفكر لكي تستثمر السياسة ومهارتها وخبرائها ورجالاتها؛ لكي تعالج تلك المشاكل بطريقة احترافية قريبة من مهنة الطبيب الذي يسعى بكل طاقاته من أجل تشخيص الحالة ومحاولة إعطاء أفضل أنواع العلاجات لغرض تحسن حالة المريض، ونتائج الطب السياسي أوسع، فلو تمت معالجة أي مشكلة سياسية في أي بلد معين فأن تلك المعالجة ستنعكس إيجابياً على الواقع الصحي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وستكون من بين نتائجه أيضا تقليل الكثير من الحالات المرضية الناجمة عن أخطاء السياسيين أنفسهم.

إشكالية الدراسة تتعلق بسؤال جوهري بحاجة إلى إجابة: هل هناك طب سياسي ممكن أن تتعامل معها الأمراض بطريقة احترافية؟ أم أن المقاربة خاطئة، وهناك تساؤل آخر يتعلق بطبيعة السلطة التي غالباً ما تكون لب المشكلة كيف لها أن تكون دواء وهي الداء؟.

وبعد تحديد إشكالية الدراسة ننتقل إلى الفرضية التي تحاول الدراسة إثباتها أو نفيها وتنطلق من القول: "إن الطب السياسي ممكن أن يكون طب معالج من نوع خاص، ولكن يجب أن يتعامل مع السياسة بوصفها علم لحل المشاكل والصراعات وليس لإيجادها، بمعنى آخر أن السياسة ستبقى داء ولم تتحول إلى دواء ما لم يتم اعتماد مرتكزات مهمة في إدارتها".

ولغرض التحقق من صحة الفرضية من عدمه، قسمت الدراسة إلى ثلاثة محاور، يتناول الأول مفهوم علم السياسة، والثاني تناول طبيعة العلاقة بين الطب والسياسة، أما المحور الثالث فسوف يبحث في مرتكزات الطب السياسي ومخرجاته.

المحور الأول: مفهوم علم السياسة

السياسة مفهوم غربي النشأة وبالإنكليزية (political)، مشتق من الكلمة الإغريقية (polic)، وعند الرجوع إلى معاجم اللغة العربية نجدها تنحدر من المصدر (ساس)، وتم الاشتقاق من (ساس، يسوس، سياسة)، ومنه (سائس الخيل) الذي يُعنى بها ويدبر أمورها، وهو الذي يتحكم في سير الخيول، القول (ساسة البلاد) الذين يديرون شؤون البلاد والعباد أي قادتها، واصطلاحاً غالباً ما يشار إلى فن إدارة المجتمعات الإنسانية، وبعيداً عن اللغة والاصطلاح، الظاهرة السياسية بشكل عام شئنا أم أبينا هي الطريقة الوحيدة لإدارة شؤون الحياة العامة.

السياسة بشكل عام تحتاج إلى خبرة ومهارة، بمعنى ليس كل من يدعي أنه سياسي ممكن أن نطلق عليه هذه الصفة، بل هناك سياسي فاشل وهناك سياسي ناجح، وهذا ليس شيء غريب، فليس كل طبيب هو طبيب ناجح ومتمكن من المهنة، وليس كل نجار أو حداد هو متمكن من مهنته أيضا، وهكذا السياسي، فالسياسي الناجح من وجهة نظري هو السياسي الذي يستطيع أن يروض خصه ويتحكم به وقادر على أن يغير قناعاته وسلوكياته.

السياسة بالنسبة لأغلب الدول الأوروبية بالذات الديمقراطية منها، تعمل من أجل خدمة الوطن والمواطن، لذلك نجد أن المواطن يلتزم بالعملية الانتخابية الديمقراطية، ويؤمن بمخرجاتها، لكن مع الأسف السياسة في العالم العربي والإسلامي غالباً ما يرافق السياسة في الأذهان جملة من المواضيع وهي (المال ونفوذ السلطة، سرقات، اغتيالات، سجون، اعتقالات، حروب، فقر، تزوير في الانتخابات) لذلك لا يشارك بأي انتخابات ومحبط من أي عملية سياسية وليس لدى الغالبية الثقة بالسياسي، وهذا نتيجة لمخرجات السياسة في دول العالم العربي والإسلامي.

لذلك يمكن أن يقال: "إن السياسة في الغرب تعمل على تداوي الجراح قدر المستطاع، في حين السياسة في بعض بلدان الشرق تعمق الجراح، بل هي مسبب رئيسي في إيجادها، هل يحق لي أن أقارن بين طب البشر وطب السياسة؟، وهل يمكن أن تعمل السياسة على أن تداوي جراح الناس مثلما يعمل الطبيب؟، وهل يمكن إيجاد علاقة بين السياسة والطب؟، وهذا ما سوف نبحثه في المحور الثاني من هذه الدراسة.

المحور الثاني: طبيعة العلاقة بين الطب والسياسة

قد يكون الدخول في هكذا مواضيع فيه شيء الغرابة، ويظل القارئ الكريم يتساءل عن طبيعة العلاقة بين مهنة واضحة التوصيف وأخرى غامضة، ومن حق أي أحد الاستغراب!، لكن ما نريد أن نبحثه هنا هل ممكن للسياسي أن يعالج المسائل العالقة بذهنية الطبيب الماهر، وهل توجد لديه أدوات شبيه بأدوات الطبيب هذا من جهة، ومن جهة أخرى هل يستطيع السياسي الماهر أن يساعد الطبيب في عمله، ثم هل هناك علاقة وثيقة بين الطب والسياسة؟.

من الخطأ أن نظن أن الدعوة إلى (الطب السياسي) هي دعوة إلى ضرورة أن يتسلم الطبيب مهمة السياسة وأن يترشح للانتخابات وعليه أن يستلم زمام السلطة السياسية لأنه الأقدر على إدارة السياسة بسبب تخصصه، كلا. على العكس، أنا أؤمن بضرورة احترام الفصل الوظيفي، فيجب أن يبقى الطبيب في مقر عمله وعليه أن يبدع في مجال اختصاصه، وعلى السياسي أيضا أن يبقى في مجال اختصاصه ويطوره بما يخدم البشرية أجمع، لكن الدعوة هنا هي دعوة للسياسي أن يعمل عمل الطبيب في كيفية البحث عن أفضل الطرق لمعالجة المرضى، فخطورة ما موجود من أزمات سياسية واقتصادية ليست هي أقل شاناً من أزمات الفرد الواحد بل على العكس هي الأخطر والأوسع، فالمرض الشخصي يؤثر على صاحبه تأثير مباشر، في حين أن الأزمات والمشاكل السياسة تؤثر على شعوب بأكملها.

عمل الطبيب السياسي أخطر من عمل الطبيب العادي، فالطبيب عندما يخطأ في تشخيص إعطاء العلاج أو يخطأ في عملية معنية قد تكون ضحيته شخص معين، في حين عندما يخطأ الطبيب السياسي سوف تكون ضحاياه بالمئات أو بالألف أو بالملايين حسب طبيعة الحدث والقرار المتخذ بصدده. وكباحث في العلوم السياسة أتساءل عن إمكانية أن يكون هناك طبيب سياسي يستطيع أن يداوي الجراح التي يعاني منها المواطن، صحيح طبيعة التشخيص مختلفة وطبيعة العلاج مختلفة لكن الغاية مشتركة.

أبرز التساؤلات هنا: متى يستطيع أن يكون السياسي طبيب، وتعمل السياسة على معالجة كل الأمراض الاجتماعية التي لها علاقة لها بظاهرة السلطة السياسية؟، وهل هناك شروط يجب تواجدها؟ وهذا ما سوف نبحثه في المحور الثالث من هذه الدراسة.

المحور الثالث: مرتكزات الطب السياسي ومخرجاته

في حقيقة الأمر، إن السياسة بمعناها العام صحيح أنها تشمل ظاهرة السلطة السياسية بشكل عام، لكن يبقى الفاعل الرئيس فيها هو صاحب السلطة، فعلى صاحب السلطة تلقى المسؤولية، فهو يستطيع أن يكون طبيب سياسي ناجح، يعالج جميع المشاكل والأزمات بطريقة احترافية وفق أدوات علمية، وإذا ما كانت مهمة الطبيب الحفاظ على حياة الإنسان ويعمل على متابعة حالته المرضية ويتابع مراحل العلاج، فدور الطبيب السياسي أعظم لأنه سيساهم في إنهائها وكذلك يمنع من حدوثها في المستقبل، كون بعض الأمراض والحالات الجراحية الخطرة نتيجة طبيعة ناجمة عن الحروب، وقلة وجود الدواء وقلة الأجهزة الطبية قد تكون نتيجة سياسات خاطئة تعطي الأولوية للحروب على حساب السلام.

أولا: مرتكزات الطب السياسي

إن السياسة الناجحة والتي قد تكون بمثابة طب سياسي تحتاج إلى مرتكزات مهمة لابد منها، لعل من أبرزها ما يلي:

1- رجل الدولة

المحور الأساس في الطب السياسي، فبدون رجل الدولة لا يمكن الحديث عن أي مساهمة إيجابية للسياسة ممكن أن تذكر، ولكن برغم تداول مصطلح (رجل الدولة) بين الأوساط الإعلامية والأكاديمية إلا أنه غير واضح لدى الكثير منهم، فليس كل من عمل بالسياسة أو من تقلد مناصب مهمة في الدولة ممكن أن يُعد رجل دولة، كون صفاته مختلفة عن رجل السياسة في أكثر من موضع.

وممكن أن نذكر أهم صفات رجل الدولة بالعمود الفقري لأي طب سياسي:

أ- رجل الدولة، يعمل وفق أسس مؤسساتية ويبتعد عن الميول الشخصية، ويعمل من أجل جميع مصالح مواطنيه ولا يركز على فئة أو جماعة معينة، لذلك فمن أهم صفاته أنه يجمع ولا يفرق ويعمل على بناء وحدة وطنية حقيقية متماسكة.

ب- رجل الدولة، يعمل من أجل بلده ومواطنيه، فهو يغلب المصلحة العامة على مصلحته الشخصية، بمعنى يريد أن يعمل منجز لدولته ولا يريد أن يعمل منجز له أو لحزبه السياسي.

ج- رجل الدولة، لا يشخص مواقفه تجاه القضايا المصيرية، بل يأخذ بنظر الإعتبار مقدار المصلحة الوطنية وتأثير ذلك على حاضر ومستقبل البلد، ويتعامل مع جميع المواطنين بمستوى واحد بغض النظر عن دينهم وقوميتهم ومذهبهم.

د- رجل الدولة، يجب أن يمتلك قوة الشخصية وقوة التأثير وقادر على أن يتخذ قرارات شجاعة ومصيرية تساهم في بناء دولة المؤسسات، ولديه رؤية واضحة للحاضر، ولديه أيضا رؤية استشرافية للمستقبل، لا ينظر للماضي بقدر الاستفادة من التجارب الإيجابية وعدم تكرار السلبي منها.

ومن أبرز معايير رجل الدولة، أنه عندما يغادر منصبه سوف يترك خلفه انجازات تذكر من جهة، ومن جهة أخرى يحظى باهتمام واحترام شعبه على اختلاف مشاربهم، على خلاف نهاية غالبية رجال السياسة والتي غالباً ما تكون إما القتل أو السجن أو النفي أو الاتهام بالفساد على أقل تقدير!.

2- سيادة إحكام القانون

إن نفاذ القانون وتطبيقه يعد معيار مهم من معايير الحكم الصالح، فرجل الدولة يستطيع أن يعمل على تفعيل سيادة إحكام القانون بشكل عملي، بعدما كانت سيادة إحكام القانون شكلية عند أغلب دول العالم الثالث، فرئيس السلطة السياسة في تلك الأنظمة إلى حد كبير يعمل على قاعدة (الدولة أنا وأنا الدولة)، والدولة لا تكون قانونية إلا حينما تخضع جميع الهيئات الحاكمة فيها لقواعد تقيدها، إذ أن خضوع الدولة للقانون يهدف إلى جعل السلطات الحاكمة في الدولة تخضع لقواعد ملزمة لها، كما هي ملزمة بالنسبة للمحكومين أيضا، وحكم القانون يقصد به مرجعية القانون وسيادته على الجميع دون استثناء حكام ومحكومين إنطلاقا من كونه القاعدة التي تنظم العلاقات بين مؤسسات الدولة والمرتكز لفصل السلطات واستقلالية القضاء.

3- النزاهة والمصداقية

تعد النزاهة والشفافية بالعمل مقياساً لرقي وتقدم الأمم والشعوب، فلا يمكن للدول أن ترتقي دون وجود مستوى عالي من النزاهة، وخلاف ذلك ستكون مقدرات الشعوب عرضة للسرقة والاختلاس، من أهم مرتكزات العمل السياسي الإيجابي المحافظة على المال العام، وهنا على رجل الدولة أن يعتمد النزاهة في اختيار الوزراء وجميع المناصب بالدولة، وتفعيل الأجهزة الرقابة من أجل المحافظة على المال العام.

ثانيا: مخرجات الطب السياسي

جميع المجتمعات البشرية تتمنى أن تمارس السياسة دورها الحقيقي في معالجة جميع المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لذلك نجد أن الطب السياسي ستكون له مخرجات إيجابية واضحة ومثمرة، ولعل أهم تلك المخرجات ما يلي:

1- تعزيز الحكم الصالح

مفهوم الحكم الصالح أو الحكم الرشيد، استخدم منذ عقدين من الزمن من قبل مؤسسات الأمم المتحدة لإعطاء حكم قيمي على ممارسة السلطة السياسية لإدارة شؤون المجتمع باتجاه تطويري وتنموي ونقدي، أي أن الحكم الصالح هو الحكم الذي تقوم به قيادات سياسية منتخبة وكوادر إدارية ملتزمة بتطوير موارد المجتمع وبتحسين نوعية حياتهم ورفاهيتهم.

وقد أوجد المختصون معايير لمثل هذا الحكم، حيث تضمنت الدراسات الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على تسعة معايير للحكم الصالح تتمثل في: (المشاركة السياسية، حكم القانون، الشفافية، حسن الاستجابة، التوافق، المساواة، الفاعلية، وجود نظام متكامل والرؤية الإستراتيجية)، وليس هناك من شك في أن معايير الحكم الصالح يمكن تطبيقها إذا ما كان هناك رجل دولة على رأس السلطة السياسية.

2- تحقيق الوحدة الوطنية

من أهم مخرجات الطب السياسي هو توحيد صفوف أفراد مجتمع معين تحت إطار دولة واحدة وبناء سياسي قائم على أساس التعايش السلمي وعلى أساس خلق الحوارات والتفاهمات المشتركة التي تنتج  أواصر التجمع والوحدة وبالتالي إمكانية خلق مجتمع متماسك (سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً) وهناك شبه إجماع بين الباحثين على أهمية تحقيق الوحدة الوطنية، إلا أن وسيلة تحقيقها مختلف حولها، لكن ما نعتقده أن وجود رجل دولة على رأس السلطة يستطيع أن يحقق الوحدة الوطنية خاصة إذا كان هناك قبول ورضا من الشعب بالحاكم السياسي صاحب السلطة وعندما تتحقق الوحدة الوطنية سيتحقق حب الوطن، ومن خلال ذلك يستطيع أن يمارس الطب السياسي دوره بشكل فعال ومؤثر.

3- تعزيز المواطنة

إن المواطنة كمفهوم وممارسة هي نتاج من نتاجات التحولات المجتمعية والسياسية المقترن بولادة الدولة الحديثة، بتعبير آخر، هي (أي المواطنة) حصيلة لترسيخ مفهوم الدولة الحديثة وما تقوم عليه من سيادة لحكم القانون والمشاركة السياسية الكاملة في ظل دولة المؤسسات.

أن الحديث عن المواطنة في ظل نظام ديمقراطي ليس حديثاً عن مجموعة تشريعات دستورية وقانونية، ووجود مؤسسات وتداول سلمي للسلطة...الخ فحسب، وإنما حديثاً عن مجموعة قيم ثقافية وسياسية ودينية، لاسيما قيم التسامح والاعتدال والمشاركة السياسية والقبول والتعدد والاختلاف والأخذ بالحلول الوسطية وحل جميع الخلافات بالطرق السلمية، فضلا عن أن الديمقراطية تتطلب أيضاً قيماً أخلاقية وفضائل سياسية تساعد على وجود التسامح، وتتمثل تلك القيم بالحرية في مواجهة الخضوع والامتثال، واحترام حقوق الآخرين، ورفض كل أشكال التعصب نحو الآخرين، ونشر العدل والمساواة دون تمييز ديني أو قومي أو قبلي أو حزبي أو طائفي.

الخاتمة والاستنتاجات

أ- إن تحقيق أو إيجاد الطب السياسي ليس بالأمر اليسير، بالذات في بلدان العالم الثالث، نظراً لما تعانيه هذه البلدان من صعوبات ومشاكل كثيرة، لذا فالنجاح على المستوى السياسي في هذه الدول بحاجة إلى قيادة واعية، ورؤى إستراتيجية، وتخطيط محكم، لغرض الانتقال من الحروب الأهلية والفقر المتقع إلى البناء والإعمار والتنمية الشاملة، وهذه أهم صفات رجل الدولة المنشود.

ب- إن الطب السياسي ممكن أن يكون طب معالج من نوع خاص، ولكن يجب أن يتعامل مع السياسة بوصفها علم لحل المشاكل والصراعات وليس لإيجادها، بمعنى آخر أن السياسة ستبقى داء ولم تتحول إلى دواء ما لم يتم إعتماد مرتكزات مهمة من أبرزها وجود رجل دولة على رأس السلطة السياسية، وهو بدوره يستطيع أن يطبق سيادة القانون على الجميع ويستطيع أيضا أن يختار النزيه البعيد عن الشبهات، مما يعني التحقق من صحة الفرضية التي انطلقت منها الدراسة.

وقد توصلت الدراسة لعدد من الاستنتاجات لعل من أبرزها ما يلي:

1- إن الحديث عن سياسة الدولة حديث عن مسألة ليست سهلة، فالسياسة تتعامل مع مسائل مهمة ومعقدة ومتشابكة، لذلك تحتاج إلى السياسي الماهر الذي يستطيع أن يتعامل مع تلك المسائل باحترافية بعيدة عن الفوضوية التلقائية.

2- إن السياسة بشكل عام سيف ذو حدين، فهي مدمرة إذا ما أسيء استعمالها، وهي طبيب يعالج العديد من المشاكل إذا ما تم استثمارها بشكل علمي من قبل شخص تنطبق عليه صفات رجل الدولة.

3- إن تحقيق الطب السياسي ليس مستحيلا، بل أن كثير من البلدان قد حقق طفرات نوعية بفضل وجود معالجات سياسية، والأمثلة كثيرة، وهذا ما أثبتته (التجربة الرواندية المتميزة) إذ أن نجاح دولة رواندا أصبحت بمثابة أمل لكل حالة أو مشكلة سياسية عجزت السياسة التقليدية عن حلها، وموضوع نجاح السياسة تحتاج إلى رجل دولة من جهة، وإرادة جماعية من الجمهور تساعده وتسانده من جهة أخرى.

4- دول العالم الثالث هي بأمس الحاجة إلى الطب السياسي، كون تلك البلدان تعاني أكثر من غيرها من مشاكل سببها الرئيس والمباشر سياسية بامتياز، فغالبية تلك البلدان تعاني من سياسة سلبية تساهم في إيجاد المشاكل بدل حلها.

5- المواطن المريض يذهب إلى المستشفى لغرض تشخيص حالته من قبل طبيب مختص وكتابة وصفة طبية لغرض العلاج، أليس من الأولى الذهاب إلى المختصين لغرض معالجة المشاكل السياسية الكثيرة والمتعددة والبحث عن المعالج السياسي بقدر البحث عن الطب التقليدي، فالشعوب بالذات العربية منها بحاجة إلى رجل دولة لكي يحول السياسة من كونها مسبب رئيس في المشاكل إلى معالج مهم يساهم مساهمة فاعلة في الحل.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات