قضايا دولية

النظام الدولي ما بعد أزمة فيروس كورونا

   شكل ظهور فيروس كورونا حدثا صادما لمختلف دول العالم لم يستثني الدول الغنية والفقيرة، وهو حدث يرجح حصول إرتدادات وتداعيات عديدة على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية، فالانتشار المفاجئ للفيروس لم يوازي سرعة انتشاره سوى انتشار الفرضيات حول أسباب نشأته، إذ وصل الأمر إلى حد تبادل الاتهامات بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين بشأن المسؤولية عنه، فمنذ الساعات الأولى لانتشاره بدأت الفرضيات تطرح نظرية المؤامرة، بأن الفيروس ليس سوى فيروسا مصنعا في المختبرات كنوع من الأسلحة البيولوجية.

وبغض النظر عن التفسيرات المطروحة تجاه أسباب نشوء الفيروس، وهل يمكن عده وباء حاله حال الأوبئة التي تعرضت لها البشرية على مر العصور، أم كونه جزءا من نظرية المؤامرة لا سيما في ظل طبيعة العلاقات الدولية التي تتسم بالحروب والمنافسة الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين كونهما أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، فأنه يمكن القول، إن طبيعة الظروف الحالية وتسارعها تؤشر على أن أزمة انتشار فيروس كورونا من الصعب تفسيرها في إطار نظرية المؤامرة سيما بعد التداعيات المتعددة الأوجه والأبعاد التي أخذتها، والتي لم تسلم منها أية دولة في العالم.

ومن هنا، فأن الفرضيات التي تستند إلى مبدأ المؤامرة لتبرير ظهور الفيروس لا تبتعد عن كونها محاولة للتوظيف السياسي لهذا التهديد من قبل العديد من الدول كمخرج للأزمة حالها حال العديد من الأحداث والأزمات التي شهدها العالم في مختلف مراحله، وكمحاولة للهروب من تحمل مسؤولية الفشل والإخفاق في عملية التنمية والتخطيط في القطاعات التي تمس حياة المواطن بالدرجة الأساس.

لقد كشف ظهور فيروس كورونا وانتشاره حالة من الضعف البشري في مواجهته، إذ عجزت كافة الإمكانات البشرية على الرغم من التطور العلمي والتكنولوجي من التصدي له والحيلولة دون انتشاره وتمدده. ومن ثم فالخاصية التي اكتسبها الفيروس كونه عابرا للحدود، جعلت منه تهديدا حقيقيا وخطيرا لا يستثني أحدا، وهو ما يعني إمكانية بروز تداعيات لاحقة لظهوره وانتشاره عالميا ويمكن إبراز أهم تلك التداعيات بما يلي:

1- لقد شكلت العولمة بمختلف أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تحولاً كبيراً في تاريخ البشرية، ويمكن تلمس تداعياتها الكبيرة على مختلف نواحي الحياة، إذ تلاشت وتراجعت العديد من القواعد والأنظمة الأخلاقية والاقتصادية في العالم لصالح العولمة ومفاهيمها، وتم تغيير العديد من المنظومات الفكرية والأخلاقية والثقافية وتراجعت حضارات عريقة مقابل بروز أخرى.

وهنا يمكن القول، إن أزمة فيروس كورونا شكلت انقلاباً على ما سبق، من خلال إعادة الاعتبار للحدود بين الدول نتيجة قيام الدول بإغلاق حدودها ووقف حركة التنقل منها وإليها، ووقف التبادلات التجارية بحيث أصبحت الدول معزولة عن غيرها من الدول الأخرى.

2- إن غلق الدول حدودها مع الدول الأخرى يؤشر في المستقبل على إمكانية إحلال وعودة المكانة المفقودة والاعتبار للإنتاج الوطني المحلي بدلاً من الإنتاج العالمي الذي أصبح عامل للقلق وعدم الثقة به، وهو ما يعني منح استقلالية أكبر للمنتج المحلي ودعمه، ولا سيما على صعيد الدول محدودة القدرات، عبر تنشيط إمكانات ومصانع الدول داخل حدودها وتعزيز فكرة الإنتاج الوطني، سعياً لكسر حاجز الاستيراد الخارجي والاعتماد على الداخل.

3- لا يمكن استبعاد إمكانية إعادة النظر في النظام الاقتصادي العالمي والسياسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتبعة، والتي ارتكزت على اعتبارات مصلحية نفعية بعيدة كل البعد عن الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية، والتوجه للتعامل وفقاً للمبادئ الإنسانية السامية والابتعاد عن الأنانية والاستغلال من قبل الدول الغنية على حساب الشعوب والدول الفقيرة، ولعل ذلك يؤشر في مرحلة لاحقة تراجع العولمة بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي حولت الإنسان إلى مجرد سلعة تبادلية في السوق الاستهلاكي العالمي القائم على المنافسة والاحتكار والعقوبات على حساب مصلحة الإنسان والحرية والعيش الكريم.

4- كشف فيروس كورونا مدى الضعف والقصور لدى المؤسسات الدولية ولا سيما الصحية منها في مواجهة الحالات الطارئة، مما يؤشر على أن الدول وقت الأزمات والمحن تعود إلى الداخل لحماية نفسها والتعامل مع الواقع من خلال اتخاذ تدابير ذاتية دون الحاجة إلى تفعيل آليات التنسيق مع الآخرين، وهو ما عكسته كيفية التعامل مع الفيروس على المستوى العالمي، فضلاً عن إبراز حاجة الدول الفقيرة إلى بناء اقتصاد متطور والحاجة إلى تنمية اجتماعية وصحية شاملة لمواجهة المخاطر الطبيعية والأوبئة حفاظاً على حياة الإنسان.

5- إمكانية إعادة النظر في العديد من الأنظمة والقواعد الحاكمة للاتفاقيات والتكتلات الاقتصادية الدولية بسبب فشلها في مواجهة فيروس كورونا، وعدم تعاملها مع الأزمة الناشئة بحلول ومعالجات سريعة، فضلاً عن أن الأزمة ربما ستكون بداية ظهور بوادر الضعف والتفكك في عدد من التكتلات مثل الاتحاد الأوروبي بسبب فشله في مواجهة الأزمة، ولعل موقفه الرافض لطلب تزويد صربيا بالمعدات الطبية اللازمة لمواجهة الفيروس خير دليل على ذلك، مما دفع الرئيس الصربي إلى القول صراحة بأن: "التضامن الأوروبي غير موجود وكان حبراً على ورق".

6- إن تداعيات انتشار فيروس كورونا على المستوى العالمي ترشح إمكانية نشوء منظمات جديدة مقارنة بالمنظمات الدولية التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية مثل منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، التي تعيش في أزمات متتالية أثر انتشار الفيروس، وسوف تكون المنظمات الجديدة ذات أنظمة وقواعد جديدة تعمل على التكيف مع الأوضاع المستجدة في العالم، وتكون مسؤولياتها ذات علاقة بالتطورات المفاجئة في العالم كالتحديات البيئية والصحية والطبية التي تواجه البشرية.

7- إن الأزمة الحالية ستبرز دور الدبلوماسية والقوة الناعمة الصينية التي استطاعت التجاوب مع انتشار الفيروس في الدول الأخرى من خلال إرسال المساعدات لا سيما الطبية إليها، وهو ما يعني إمكانية تبني مفهوم الحوكمة العالمية وفقاً للطريقة الصينية، والتي أشرت وبشكل واضح فك الارتباط بين قدرات وإمكانات الدولة على تحقيق التنمية ومعايير وجود الديمقراطية فيها، والتي يجسدها الأنموذج الصيني، إذ كانت الصين ذات النظام السياسي الشمولي والحزب الواحد أكثر قدرة وفاعلية من الدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة أزمة انتشار فيروس كورونا والتعامل معها، وهو ما يؤشر بوادر تغيير قواعد النظام الدولي وتوازن القوى في المستقبل وانتقاله إلى الصين ودول جنوب شرق آسيا.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات