في العادة عند الأزمات السياسية كالحروب، وانتشار الأوبئة الفتاكة تنتشر الشائعات والأقاويل الشعبوية، والدينية، والسياسية، لتضيف هماً إضافياً إلى مرارة الوباء وخطورته، فتمثل أوقات الأزمات السياسية والصحية مكاناً رحباً لانتشار الشائعات والخرافات أحيانا.

صحيح أن وباء كورونا العالمي مثلما وصفته منظمة الصحة العالمية، يعد من أخطر الأوبئة وأكثرها انتشارا وفتكا قياساً بالأوبئة التي ظهرت في فترات تاريخية سابقة، وهذا ما يلاحظ من حجم الحذر والحيطة التي عملت بها عدد من البلدان، ومنها البلدان المتقدمة في مجال البيئة والصحة، كالولايات المتحدة وبريطانيا وبلدان الاتحاد الأوروبي، وصلت الحالة لغاية الآن إلى إعلان حالة الطوارئ في أغلب دول العالم وغلق الأجواء والمنافذ الحدودية، وتعطيل حركة التجارة، وحركة العلم اليومية في المدارس والجامعات، وغلق الجوامع ودور العبادة حتى التاريخية منها كالكعبة المشرفة، والمسجد النبوي في المدينة، ومراقد أهل البيت (عليهم السلام) في مدن: النجف الأشرف، وكربلاء المقدسة، ومشهد المقدسة.

حيث أن هذا الفيروس مثلما أكدت كل المصادر الطبية يعتاش على التجمعات البشرية، وتوفر له وسيلة مثالية للانتقال والانتشار إلى الآخرين بسهولة، وينتقل أيضا عبر التماس اليدوي والتنفس المباشر، وهذا لا يتوقف على أبناء البلد الواحد، وإنما التنقلات بين البلدان أيضا، وبذلك أوصت المؤسسات الصحية بحضر كل أشكال التجمعات البشرية حضراً كاملاً حتى لا تكون بيئة للقضاء على عدد أكبر من الناس، وتتحول المدن إلى مدن موبوءة بالفيروس القاتل، يتساقط فيها الناس بالشوارع والأسواق، ومن هنا نادت المؤسسات الصحية بضرورة حضر التجمعات، واتخاذ التدبير الصحية الأولية كالمعقمات والتعفير وما شابه.

الجانب الثاني من أحاديث فيروس كورونا هو ذو الأبعاد السياسية، وابتداء ذلك مع بداية ظهور الفيروس في مدينة ووهان الصينية، وأستمر بعد أن انتقل إلى مدن أخرى، ومثل فاجعة لم يرى مثله الصينيون على مستوى الأمراض في تاريخهم الحديث، ومن ثم انتقال الفيروس إلى دول أخرى، وكانت إيران أولى الدول التي ضربها الفيروس بعد الصين والتي أيضا أضر بها كثيرا بحكم تعاطيها التجاري والاقتصادي ومجالات أخرى مع الصين بعد الحصار والحضر الذي فرضته واشنطن عالميا على طهران، ولا يزال الإيرانيون يكافحون ببسالة مثلما فعل الصينيون في سبيل إنهاء خطر الفيروس في إيران أو على الأقل تقليل مخاطره، المغزى من الإشارة إلى هذا الجانب أن الصينيين وعلى مستوى المتحدث باسم الخارجية الصينية زهاو ليجيانغ على تويتر وهي التغريدة التي نشرها زهاو باللغة الإنجليزية، قال فيها: "قد يكون الجيش الأمريكي هو الذي أحضر الفيروس إلى ووهان، نرجو أن تتحلوا بالشفافية، وأن تنشروا ما لديكم من بيانات! وأعتقد أن الولايات المتحدة مدينة لنا بالتفسير!"، وبالتأكيد تمثل التوترات الحالية الحلقة الأحدث من مسلسل الحرب الكلامية بين الولايات المتحدة والصين التي تعكس تدهور العلاقات فيما بينهما في الفترة الأخيرة بسبب مشكلات منها ما يتعلق بالشأن التجاري، وحقوق الملكية الفكرية، وانزعاج واشنطن من صعود الصين اقتصاديا، إضافة إلى مشكلات أخرى بين البلدين بسبب حرية الصحافة التي احتلت دائرة الضوء مع بداية تفشي فيروس كورونا، وجاءت تصريحات زهاو بعد أيام قليلة من تصريحات روبرت أوبراين، مستشار الأمن القومي الأمريكي، قال فيها: "إن الصين كلفت العالم شهرين كان من الممكن أن يستغلهما في الاستعداد لمواجهة الفيروس"، التصريحات الصينية أثارت غضب واشنطن فاستدعت السفير الصيني فيها، كما أشارت الخارجية الأمريكية إلى أن نشر نظريات المؤامرة خطير ومثير للسخرية. محذرة من أنها لن تتسامح مع ذلك لحرصها مع ما وصفته على صالح الشعب الصيني والعالم، يأتي كلام الصيني هذا بعد أن انتشرت أحاديث من هنا وهناك أغلبها غير دقيقة حتى لو صدرت من مراكز مهمة كتلك التي أشارت إلى أن هذا الفيروس هو نوع جديد من الحروب البيولوجية أو حروب المناعة بعد أن جرب العالم حروب الجماعة والجيوش أو ما تعرف بالحروب العسكرية التقليدية، تريد من خلالها واشنطن أن تستهدف خصومها عسكريا واقتصاديا واجتماعيا حتى تظل سيدة الاقتصاديات العالمية الأخرى، فيما ذهبت بعض الأحاديث الدينية إلى مسألة نهاية العالم والتهويل من قادم الأيام في الحوادث التي قد تضرب العالم، وهذه الأخبار لغاية الآن لم يثبتها ولم يقول بها كبار المرجعيات الدينية في العالم الإسلامي، وتبقى مجرد تهويلات إعلامية تستهوي البسطاء من الناس.

  وبالمجمل، صحيح أن المخابرات العالمية لهذه الدولة أو تلك قادرة على اختراع أنواع جديدة من الحروب ومنها الحروب المناعية أو الحروب البيولوجية، إلا أن حجم انتشار المرض عالميا يتعارض منطقيا مع هذا التفسير (نظرية المؤامرة)، أما توظيف انتشار الفيروس اقتصاديا فهذا وارد جدا، بدءاً من الجانب التجاري النفعي لشركات العلاج وليس انتهاءً بانخفاض أسعار النفط عالميا بعد أيام قليلة من ظهور فيروس كورونا وهو ما يصب في صالح القوى المتصارعة اقتصاديا التي استفادت من الانخفاض عبر ملئ خزانات النفط في الولايات المتحدة مثلما صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أجل دعم الاحتياط النفطي الأمريكي لسنوات قادمة، وهذا غير مستبعد أيضا من قبل الصين والروس وغيرهما من الدول الطامحة بالصعود عالميا، فيما تجبر الدول المصدرة للنفط على رفع مستوى التصدير للحسابات في الغالب سياسية داخلية كما هو الحال مع الشأن السياسي السعودي، حيث تسوية مسألة السلطة بشكل نهائي لولي العهد محمد بن سلمان مع العائلة الحاكمة التي ظهرت للواجهة مرة أخرى بعد الاعتقالات التي طالت عدد من ملوك الأسرة كأحمد بن عبد العزيز، ومحمد بن نايف بن عبد العزيز وغيرهما كأجنحة معارضة الآلية التي عمل بها الملك سلمان في ترتيب أوراق الحكم لصالح نجله.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات