قضايا دولية

فيروس كورونا اختبار للاقتصاد والعولمة

    بغض النظر عن الجانب الصحي الذي يطرحه فيروس كورونا المستجد، فأنه يضع الاقتصادي العالمي والعولمة موضع اختبار وتحدي ينذر بحدوث أزمة اقتصادية عالمية حادة، وأول مؤشر حقيقي لهذه الأزمة هو تراجع أسعار النفط العالمية بشكل غير مسبوق ليصل سعر برميل النفط إلى ٣١ دولار، والضرر الأكبر من هذه الأزمة هي منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج تحديدا المعتمدة على تصدير النفط في تمويل موازناتها السنوية، وتمتد هذه الأزمة لتشمل كل دول العالم المعتمدة على التبادل التجاري الحر وخاصة دول الإتحاد الأوروبي؛ لأن تحدي الفيروس فيما يخص إجراءات الوقاية والاحتراز يقف بالضد من أنساق ومجالات العولمة، فمثلا قطاع السيارات التي نستخدمها للنقل بغض النظر عن هوية الدولة المصنعة وماركتها تتكون من قطع غيار تأتي من دول متعددة، وكذلك الهاتف المحمول فمكوناته المختلفة تأتي أيضا من بلدان  متعددة ومتباعدة.

سابقا قبل مطلع التسعينات من القرن العشرين، قبل انهيار جدار برلين كان بالإمكان احتواء أزمات وبائية مثل كورونا فيما يخص الاقتصاد والعولمة، نتيجة عدم الانفتاح الكبير الذي حصل بعد ذلك التأريخ (الذي كان بداية لتوحيد الاقتصاد الدولي)، حينما كانت مصانع البلدان الأوروبية تتمتع بسلسلة إنتاجية داخل تلك البلدان، لكن بروز الصين كدولة كبرى في مجال الإنتاج منخفض التكاليف دفع الشركات الصناعية الكبرى أن تعتمد على الصين في تصنيع معظم أدوات الإنتاج وقطع الغيار اللازمة في هذا البلد، نتيجة لذلك توفر سلسلة إنتاج ممتدة لأغلب دول العالم أدى إلى انخفاض كبير في أسعار السلع والمنتجات الاستهلاكية، ولكن بذات الوقت أدى ارتفاع في نسبة البطالة في البلدان المتطورة لاعتمادها على الصين، التي شهد اقتصادها قفزات كبيرة بحيث أصبح الاقتصاد الصيني يشكل ١٧٪ من الناتج المحلي الإجمالي في العالم، كما يشكل حجم التبادل التجاري مع الصين ٣٥٪ من حجم التجارة الدولية، كما أن صناعة الأدوية العالمية تعتمد على الصين في ٨٠٪ من إنتاجها.

لكن فيروس كورونا وقف عائقا بوجه الصين، التي تعرف على أنها مصنع العالم الإنتاجي بشكل كامل، مصانع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بدأت الآن تشعر بنقص كبير في الإمدادات قد يعمل على إيقافها عن العمل، مما سيفجر أزمة ستزداد خطورة في حال استمرار تفشي الوباء في الصين.

أضف إلى ذلك، إن قطاع السفر الجوي والبحري وكل وسائط النقل والشحن تضررت نتيجة الإحجام عن ذلك، والتحوط الاحترازي من تفشي هذا الوباء، ولهذا سيتراجع حجم التبادل التجاري، مما يسبب نقصا في السلع والخدمات رافعا بذلك الأسعار، وهذا سيضع أمام الحكومات التوجه إلى فرض سياسات تقشفية قاسية إزاء مواطنيها، ستسبب أزمات سياسية واقتصادية خطيرة.

أزمة كورونا تهدد وجود العولمة، وتفتح ما يمكن وصفه إنتهاء سيادتها الذي قد ينتهي بكارثة دولية. هذه الأزمة أصعب من الأزمات التي خلفها سارس وإنفلونزا الطيور وإيبولا والكوليرا والملاريا وغيرها من الأمراض الفيروسية والأوبئة التي عُرفت في العقود الأخيرة، وقد تكون مخلفاتها أكثر تعقيدا وضررا من الأزمة المالية التي حدثت عام ٢٠٠٨، كما أثبث هذا الوباء فعلا أن العالم قرية صغيرة بعد أن وضع العالم حكومات وشعوب وشركات أمام تحدٍّ تصعب مواجهته بالسرعة اللازمة، خاصة للدول ذات البنى التحتية الضعيفة وغير المجهزة بالمستلزمات الصحية وغيرها من احتياجات ومتطلبات الوقاية والسيطرة على المرض، إذ انتشر الوباء بأكثر من ستين دولة بشكل متسارع وبلغت الخسائر الاقتصادية الأوليّة بحدود تريليون دولار، وقد ترتفع  التقديرات إلى خمسة تريليونات دولار، في ضوء عدم وجود توقعات زمنية لاحتواء الفيروس فليس هناك أدلة علمية قاطعة لكيفية مواجهة الفيروس وكيفية انحساره.

مع ذلك، فأن هنالك إجراءات في الصين للحد منه وتقليص ضحاياه وسجلت نتائج إيجابية، إلا أنه لا يزال من الصعب القياس عليها، خاصة الانتشار السريع في إيران وكوريا الجنوبية وإيطاليا، والآن في مصر والعراق ودول الخليج.

هذا القلق والتحوّط أدى وسيؤدي إلى إلغاء الكثير من الفعاليات الاقتصادية والسياحية والرياضية وحتى السياسية والفنية، مما سينعكس على الأنشطة الدولية والمحلية وحتى الفردية، مما سيشكّل انعكاسات اقتصادية تؤشر إلى ظهور تغييرات قسرية ومفاجئة وداهمة على الحياة العامة، يجعلنا نقارن بين النتائج التي يخلفها الوباء بشكل أقرب إلى النتائج التي تخلفها الحروب، فإلغاء صلاة الجمعة في العراق وإيران والعمرة في مكة وتأجيل تصفيات كأس العالم وأمم آسيا من قبل الفيفا واحتمال إلغاء الألعاب الأولمبية في اليابان واعتبار المصافحة بين شخصين سلاح قاتل، لا يمكن توقعها إلا في حالات الحرب وليس بسبب فيروس، بعض شعوب الدول انتقلت من الحذر إلى الهلع لدى ظهور الإصابة الأولى وبعضها لم تكترث كثيرا كالعراق مثلا، والبعض ادخلها في خانة التسييس أو نظرية المؤامرة ومحاولة تحميل واشنطن تبعات تصنيع هذا الفيروس واستخدامه في حروب بيولوجية ضد الصين وإيران.

عراقياً، كل مؤشرات التعامل مع الوباء حكوميا لا تعكس قدرتها على السيطرة على المرض وإجراءات خلية الأزمة وصفت من أعضاءها على أن جزءً منها غير مجدية ووهمية فهنالك سوء إدارة للازمة، كما أن هنالك سوء تقدير لها من قبل المواطنين، جعلت من الفيروس مادة للتندر والسخرية أو عدم الاكتراث، ولهذا من المتوقع أن يشهد العراق انهياراً اقتصاديا وخيما مع تفشي الوباء المرتبط بتداعيات انخفاض أسعار النفط العالمية، بينما يواجه العراق احتجاجات متواصلة ضد الطبقة السياسية، وهنالك استحقاقات تشكيل حكومة تناغم صوت الشارع المنتفض، وأن قدم كورونا فرصة للإفلات من ضغوطات المحتجين والمرجعية الدينية في التغيير نحو مرحلة سياسية جديدة عبر تشكيل حكومة مستقلة تدير انتخابات مبكرة، لكن جدية المرض ستكون تحديا أكبر وأقوى من تحدي الاحتجاجات واستحقاقاتها.

لكن بذات الوقت، فإن التعامل مع هذه الأزمة الوبائية قد تشكل فرصة لإثبات صدق ونجاح الأداء السياسي والحكومي وهذا يتطلّب إرادة سياسية، ويحتاج إلى توفير الموارد اللازمة والانفتاح العالمي والعمل الجاد بعيدا عن الإيديولوجيات والخطوط الحمراء، إزاء ذاك القطب الدولي أو ذاك، لأن القدرة على تقليص العدوى وإنقاذ حياة العراقيين لا تزال متوفّرة، فالمطلوب خروج الأداء الحكومي والسياسي من دائرة الخوف والرهان على الاستثمار السياسي في المرض إلى اتخاذ الإجراءات وتأمين المتطلبات اللازمة لمواجهته واحتواء تبعاته الصحية والاقتصادية.

هذه الفرص والقدرة على احتواءه ناتجة عن أرقام إيجابية تأتي من الصين في تراجع عدد الوفيات والإصابات، ومع توقع تراجع حدة العدوى في الصيف وشعور المجتمع الدولي بالخطر مما يدفعها إلى التكاتف في عبور هذه الأزمة يضع مداخل الرهان على التحسن الإيجابي في مستويات المواجهة، وأيضا عودة ارتفاع أسعار النفط مع تحسن قدرة الصين وكوريا الجنوبية والهند في استيراد نفط المنطقة وعودة التصنيع والتجارة الدولية تدريجيا خلال الأشهر القادمة وكل هذا يحتاج إلى سياسات مخطط لها وعمل مستمر لتحقيق ذلك.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات