قضايا اقليمية

الاتفاق بين الولايات المتحدة وحركة طالبان: اتفاق الدولة والحركة

   الاتفاق الذي وقع بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، يعود بدايته إلى عام 2011 في قطر، ولم تكن إدارة باراك أوباما جادة في تلك المفاوضات، إلا أن إدارة ترامب المثير للجدل قد وقعته أخيرا مطلع شهر مارس 2020، وصفه الإعلام الأمريكي بالاتفاق التاريخي بعد عداء ظاهري أستمر ما يقارب تسعة عشر عاماً مع حركة إسلامية متطرفة مسلحة لا تمتلك صفة الدولة، بعد أن خاضت الولايات المتحدة في عام 2001 حربا على أفغانستان أسقطت من خلاله نظام حكم الحركة المتهمة بالإرهاب والهجوم على الولايات المتحدة الأمريكية وضلوعها في مد الإرهاب العالمي بالتعبئة العقائدية والفقهية المناهضة للغرب الأمريكي بعد الحرب الباردة، حيث كانت الحركة على وئام مع الولايات المتحدة لهدف واحد وهو الخصم السوفيتي المشترك، وبدأت صفحة العنف بين الجانبين حين شنت الولايات المتحدة غارات جوية بعد شهر من هجمات 11 سبتمبر 2001 على أفغانستان بعد أن رفضت طالبان تسليم الرجل الذي وقف خلف تلك الهجمات أسامة بن لادن، مما مثلت الأرضية المناسبة له ولقاعدته ولأعضاء التنظيمات الجهادية أرضا خصبة في الاختفاء والهجوم في الوقت ذاته، وانضم إلى الولايات المتحدة تحالف دولي وتمت الإطاحة سريعاً بحكومة طالبان فتحولت طالبان إلى حركة تمرد وشنت هجمات دامية، وزعزعت الحكومات الأفغانية المتلاحقة، وبينما أنهى التحالف الدولي مهمته القتالية في 2014، لكنه أبقى آلاف العناصر تحت بند تدريب القوات الأفغانية. لكن الولايات المتحدة تابعت عملياتها القتالية الخاصة بعد تقليصها في أوقات سابقة، بما فيها الغارات الجوية.

وبعد سنوات من العداء مع الولايات المتحدة، أصبح هناك تقارب بين الجانبين قادته قطر ورعاه بشكل مباشر السفير الأمريكي السابق ومنسقها مع الجماعات الإسلامية زلماي خليل زادة، أراد منه ترامب رسالة إلى الأمريكيين في خضم معركته الانتخابية المرتقبة مع الديمقراطيين الذين كانوا يأخذون على الجمهوريين مغامراتهم العسكرية الخارجية بداً من أفغانستان، وقد يكون الاتفاق العلني الأول الذي تعقده الولايات المتحدة بقيادة ترامب في إطار التعامل مع التنظيمات المسلحة فضلا عن أنها عوملت كحركة إرهابية، ورغبت به الحركة أيضا، إذ قال ترامب بعد توقيع الاتفاق: "إن حركة طالبان كانت تحاول التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة منذ فترة طويلة"، وقد اتفق الطرفان في الأخير على عدد من المحاور أبرزها:

أولاً: سحب جميع القوات الأجنبية من أفغانستان في غضون 14 شهرا.

ثانياً: تخفض الولايات المتحدة قواتها في أفغانستان إلى 8600 في غضون 135 يوما بدءا من تاريخ توقيع الاتفاق.

ثالثاً: تسحب الولايات المتحدة وحلفاؤها والتحالف جميع قواتهم من 5 قواعد عسكرية في غضون 135 يوما.

رابعاً: إزالة العقوبات الأمريكية عن أفراد طالبان بحلول 27 أغسطس 2020.

خامساً: إطلاق سراح ما يصل إلى 5 آلاف سجين من طالبان، وما يصل إلى ألف من سجناء الطرف الآخر بحلول 10 مارس 2020.

وفي ضوء هذه النقاط، تبدو أهداف الولايات المتحدة من الاتفاق مع الحركة، إيقاف نشاط الحركة المناهض للولايات المتحدة، والحفاظ على جنودها على المدنيين القريبين والبعيدين، إذ في القريب يضمن لها ليس فقط أن لا تستهدف الحركة الوجود الأمريكي؛ وإنما قد تشكل الحركة تهديدا مرة أخرى للأطراف الإقليمية المناهضة للوجود الأمريكي في المنطقة وبالتحديد إيران، وقد يكون هذا الاتفاق بمثابة إعلان الولايات المتحدة إنهاء حروبها جميعا في العالم بما في ذلك العراق وسوريا، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن الاتفاق اجري بين أمريكا الدولة وتنظيم مسلح وهو طالبان، فأن اتفاقا آخر سيكون أكثر سهولة مع الدول إذا وفرت للولايات المتحدة معطيات مصالحها.

فيما يرسم الاتفاق هدف أسمى للحركة يتمثل بعودتها كحركة عقدية يتيح لها هذا الاتفاق، أن تمارس النشاط السياسي فضلا عن رفع العقوبات عن أعضائها، وإذا ما انسحبت القوات الأجنبية من أفغانستان فسيصبح نظام الحكم شأناً داخلياً يتحكم فيه الأقوى، وهو حركة طالبان وهو ما يمثل تهديدا للسلم الأهلي، لاسيما وأن الحركة ذات منطلقات عقدية للغائية ولم تترسخ في أدبياتها فكرة التداول السلمي للسلطة والتعايش السلمي، فيما تتمثل أبعاد الاتفاق بالنظرة الجيوسياسية للولايات المتحدة للجوار الأفغاني، حيث تمثل إيران مصدر إزعاج للولايات المتحدة وجود التوتر ما بين حركة طالبان والجيش الأمريكي في أفغانستان يصب في صالح إيران التي ترى ذلك يصب في صالح أمنها القومي من أي تهديد أمريكي.

من هنا قالت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان نقلته وسائل الإعلام الرسمية: ليس للولايات المتحدة سند قانوني لتوقيع اتفاق سلام أو تحديد مستقبل أفغانستان، وأضاف البيان أن إيران ترى التحرك الأمريكي كمحاولة لتقنين وضع قواتها في أفغانستان، إذ أن إيران اتبعت إستراتيجية محاربة الولايات المتحدة خارج حدودها، وقد وفر لها المسار السياسي والجغرافي فرصة عالية في فرض إستراتيجيتها القومية، إضافةً إلى بيئات أخرى كاليمن وسوريا وحلفاء آخرين في العراق ولبنان

........................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات