حلقات نقاشية

دور الوعي السياسي في بناء التوازنات الاجتماعية.. على طاولة حوار المستقبل

   عقد مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية ملتقاه الفكري تناول من خلاله موضوعا تحت عنوان (الوعي السياسي ودوره في بناء التوازنات الاجتماعية)، بمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية وبعض الشخصيات الحقوقية والأكاديمية، ضمن فعاليات ملتقى النبأ الأسبوعي في مقر المركز في محافظة كربلاء المقدسة.

قدم الورقة الدكتور قحطان حسين اللاوندي، الباحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، حيث قال: "إن الوعي السياسي هو إدراك الفرد وفهمه لواقع مجتمعه السياسي ومعرفة المشكلات القائمة، والقوى الفاعلة والمؤثرة في صناعة القرار على المستويين الوطني والعالمي، والوعي السياسي هو حالة من اليقظة الفكرية يتمكن من خلالها الإنسان من رصد الأحداث وتحليل وتشخيص أبعادها وآثارها، ويساعد الوعي السياسي المجتمع في مواجهة مشكلاته وتحصينه من التهديدات الداخلية والخارجية، وذلك بالتعامل معها وفق رؤية عقلية منطقية تضمن الوصول للأهداف المتوخاة.

ويشتمل الوعي السياسي على أربعة مقومات أساسية:

1- الرؤية الشاملة للبنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والوطنية والعالمية.

2- الإدراك الموضوعي للبنية الاجتماعية والاقتصادية الثقافية الوطنية والعالمية.

3- الإحساس بالمسؤولية القائمة على الالتزام بالثوابت الإيجابية الصالحة كالقيمية والوطنية والإنسانية.

4- الرغبة في التغيير الإيجابي مع الاحتفاظ بالقيم والثوابت الاصيلة والصالحة.

ويتشكل الوعي السياسي من خلال وسائل متعددة من أهمها:

1- التنشئة والتوجيه السياسي بواسطة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية.

2- الخبرة السياسية المكتسبة بالمشاركة السياسية.

3- اكتساب المعرفة من خلال التعليم الذاتي والقراءة ومتابعة الأحداث ووسائل الإعلام التقليدية والحديثة.

وتنبع أهمية الوعي السياسي من كونه ضروريا في إنتاج المكتسبات الآتية:

1- تحقيق النهضة الحضارية من خلال معرفة الأفراد بالظروف والتطورات وإدراك طبيعة الحياة الحديثة وأدواتها التكنولوجية، والنهضة الحضارية ولا يمكن تحقيقها إلا من خلال الربط بين الوعي التاريخي واستيعاب الأحداث الراهنة وتحليلها تحليلا علميا، ومن ثم بناء الخطط المستقبلية لترسيخ الوعي والمعرفة لدى الجيل الجديد ليتمكن من إحداث التغيرات السياسية، وترتيب وصياغة الأفكار والمعتقدات التي سادت في حياة الشعوب في البلدان المختلفة خلال العقود الماضية وما تزال.

2- عن طريق الوعي السياسي يتم تحديد دور الدولة ومؤسساتها في التعامل مع القضايا الحيوية التي تحدث داخل المجتمع، إذ أن الوعي السياسي لدى أفراد المجتمع غالبا ما يقيد حركة السلطة والحكومة ولا يسمح لها أن تعمل بشكل مطلق في الساحة المحلية والعالمية، ففي البلدان المتقدمة يلعب الرأي العام دورا واضحا في رسم سياسة الدولة، لذلك فإن للوعي السياسي أهمية بالغة في إخراج المجتمع من الانغلاق والحيود والسيطرة الشمولية للدولة.

3- إن الوعي السياسي يساعد في القضاء على الاستبداد السياسي الذي يعد من أهم المشكلات وأخطر الأزمات التي تمر بها البلدان المتخلفة ذات الحكومات الاستبدادية، وأن أفضل طريقة للخلاص من الاستبداد هي معرفة الشعب لحقوقه وواجباته.الوعي السياسي من ضرورات التطور

   إن الوعي السياسي يعد من ضرورات المجتمعات الساعية للتطور والنمو، إذ أن الوعي يمهد الطريقة لمعالجة المشكلات المتأصلة بوسائل علمية، ويجب أن يتسم الوعي بالمرونة والقدرة على التكيف مع الأحداث والمتغيرات، ويجب أن يكون قائما على احترام الرأي الآخر والقبول به ومحاورته.

والملاحظ أن ضعف الوعي السياسي هو نتيجة لتراكمات الماضي وعقد الحاضر غالبا ما يقسم المجتمع إلى فئتين: فئة تدعم النظام السياسي من دون رؤية نقدية لسياساته وقراراته، وفئة تعارض النظام السياسي ولا تثق به وتسعى إلى تغييره بالوسائل المتاحة، وفي ظل هذه الجدلية والانقسام يسود التعصب ضد الرأي السياسي المخالف.

فالمؤسسات الأولية في التوعية والتنشئة السياسية المتمثلة في الأسرة والمدرسة والجامعة في الدولة المتخلفة لا تقوم بذلك الدور الذي يساعد على اكتساب الوعي السياسي.

ويعد المعوق الفكري من أهم معوقات اكتساب الوعي السياسي حيث ينقسم المجتمع إلى معسكرين فكريين متضادين، فترتبط كل طائفة بنوع خاص من التفكير ينسجم مع رأيها وفكرتها دون النظر إلى نقاط الالتقاء والمصلحة المشتركة، وسادت صورة الصراع الحاد بين دعاة الحداثة والتحديث ودعاة الاصالة والعودة إلى الجذور، أدى هذا الجدل الفكري إلى شق المجتمعات إلى اتجاهين متضادين وفق أسلوب الصراع الذاتي الذي يمنع أي حركة إيجابية ويغلق الطريق أمام أي تغيير بنّاء.

وكانت النتيجة أن غياب الوعي السياسي أسهم في غياب عملية البناء والتقدم والتنمية والاستقرار وعرقلة التحولات الاجتماعية والسياسية، فضلا عن ثقافة الشكوى التي اجتاحت المجتمعات المتخلفة، فالكل يصف المشكلة ولكن قلما نجد فئة مهتمة بحل تلك المشكلة من خلال تقديم المقترح العلمي.

وختاما يمكن القول، إن الترابط وثيق جدا بين الوعي السياسي وبين حركة المجتمع الإيجابية، فزيادة الوعي السياسي في مجتمع ما تسهم بشكل كبير في إيجاد حالة من التفاهم وتكامل الأدوار بين أفراد المجتمع، وتؤسس لتوازنات اجتماعية صالحة ونافعة تسودها قيم التعايش السلمي والحوار واحترام الرأي الآخر والتكاتف بين أفراد المجتمع بكل مكوناته لتذليل العقبات التي تحول دون تحقيق أهدافه.

ولتسليط الضوء أكثر على الموضوع، نطرح السؤالين الآتيين:

السؤال الأول: لماذا تؤدي الأزمات السياسية إلى انشقاقات وصراعات اجتماعية؟.

ضعف الإدراك السياسي لدى الطبقات المحكومة

- الدكتور خالد العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية، يعتبر من الأمور البديهية، "الأزمة السياسية تؤدي إلى انقسامات داخل المجتمع، فطالما مواقف الأفراد والمجتمع إزاء هذه الأزمات السياسية غير متماثلة فتلقائيا تؤدي إلى الاختلاف، وهذا يسمى الرأي العام أي أن اختلاف الرأي العام حول قضية ما، ثم حوار الرأي العام بعضه مع البعض الآخر يؤدي إلى إتخاذ موقف ما إتجاه تلك الأزمة التي كانت سبب الاختلاف، ولكن السؤال الأخطر هنا، لماذا الأزمة السياسية لا تدار بطريقة جيدة بحيث تجعل المجتمع ينقسم إنقساما خطيرا، بمعنى ليس الإنقسام الإيجابي؟.

فنلاحظ اليوم مثلا أزمة تشكيل الحكومة الحالية في العراق أو حتى أزمة مواقف العراق مع أطراف خارجية، حتى إننا نختلف بطريقة غير إيجابية وتصل في بعض الأحيان للعراك وللقطيعة وهذا الأمر جدا خطر، والسبب هنا يعود لحالة الوعي السياسي في الأزمة السياسية، لذا فإن أزمة الإدراك العقلي لدى الإنسان في إدراك القضايا السياسية تجعله يتخذ مواقف غير صحيحة في حل الأزمة، ولذلك نجد في الفلسفة الامريكية ظهرت المدرسة البراغماتية بمعنى أن هذه المدرسة تتعامل مع القضايا بطريقة المصالح، بالتالي تستطيع أن تحول الأزمات نحو الجانب الإيجابي.لذا نحن لحد الآن لا زلنا نتعامل مع الأزمات السياسية بطريقة العقائد، وعلينا أن لا نزج العقائد بهكذا نوع من الصراع، ولكن للأسف ضعف الوعي السياسي لدى النخب الحاكمة وضعف الإدراك السياسي لدى الطبقات المحكومة، هذا يجعل أي اختلاف حول أي أزمة سياسية هو خلاف عقائدي وهو اختلاف وجودي، علما إننا لم يحدث لدينا طول تاريخنا الاجتماعي أن نكتسب مهارة التعامل بطريقة الرأي والرأي الآخر، وإنما كنا نتعامل وفق أمة الكفر وأمة الإيمان (المشرك والمؤمن)، هذه العقلية التي حكمت القرون الوسطى لا زالت تحكمنا لحد هذه اللحظة، والسبب لأننا دائما ما ننتقص من الآخر وننزه الذات.

هذا الأمر تم سحبه على قضايانا السياسية الحالية وجعلنا كل قضية انا طرف فيها لابد أن أكون الأعلى والطرف الآخر هو الأدنى، وحتى الخطاب السياسي الحالي تم تجييره، علما أن الإدراك السياسي بعقله الواعي يتعامل مع الأمور بطريقة إيجابية ليعالجها، ومن خلال ذلك سوف تحفظ للمجتمع وللرأي العام قدرته على التطور من مرحلة القطيعة مع الآخر إلى مرحلة مد الجسور مع الآخر، وهذا العنوان سيخلق حالة من التفاهم مع الآخر وبطريقة جيدة، علما أن هذا الأمر غير مدرك من قبلنا على مستوى الوعي السياسي العراقي، وهذا بطبيعة الحال مما جعل أزماتنا السياسية يولد عنها انقسام سياسي، خصوصا وإننا نعلم علم اليقين بأن من يتعامل مع هذه الأزمة السياسية لا يتعامل بطريقة البحث عن المصلحة والحقيقة، وإنما يتعامل معها بطريقة توظيفها للذات ولتحقيق مصالح السلطة على حساب مصالح الآخرين، حتى لو كانت مصالح الوطن".

المعوق الأساسي هو الثقافي

- الدكتور عدي المفرجي، تدريسي في جامعة كربلاء، يعتقد "إن الوعي السياسي هو وعي وافد من الأحزاب الماركسية أو الأحزاب القومية أو الأحزاب الناصرية أو حتى أحزاب السلطة فهي كلها وافدة بتأثيرات أجنبية، لذا فإن الوعي السياسي لدى العراقيين هو مستورد، بالتالي السؤال المطروح هنا هل هناك وعي صميمي داخل المجتمع العراقي، فالمعوق الأساسي ليس المعوق الفكري بل هو المعوق الثقافي، بمعنى آخر أن الوعي العراقي ينسحب نحو البداوة، فالبرلماني وصاحب السلطة عندما يصل إلى سدة الحكم ينشغل بأمور تمكين الذات ماديا واجتماعيا، وهذا هو المنطق البدوي الذي يقوم على السلب والنهب والسرقة وبناء مجد خاص به، بالتالي الأزمة الحالية هي أزمة ثقافية صرفة، لذا يجب الإكثار من الندوات الثقافية والمؤتمرات لزيادة الثقافة السياسية لدى المكون الشيعي، وهذا اقتراح مقدم من قبلنا قبل سنوات لفتح مراكز تنويرية للمجتمع، بالإضافة إلى ذلك فان الشعب العراقي ليس مستهدفا على المستوى الاقتصادي والزراعي والنفطي، بل هو مستهدف في بناءه الثقافي ويتعرض وللأسف الشديد لسياسة التجهيل الفكرية والسياسية، فعلى سبيل المثال في أحد المؤتمرات نقل لي شخص ما بأن أحد الزعامات السياسية قال لي بالحرف الواحد لا ضرورة لفتح الدراسات العليا في العراق على المستوى الإنساني!.

هذا المعنى سبب أساسي في دمار وتحطيم البنية الثقافية والسياسية في العراق، وحتى الأحزاب الإسلامية هي تعيش أيام سيد قطب أي جماعة الأخوان المسلمين، وحتى بعض المرجعيات الدينية في النجف الاشرف تؤمن بفكرة (فصل الدين عن السياسة)، وهذا المغزى هو أيضا معوق مهم بالنسبة للسياسة في العراق.

وبهذه الفكرة أصبح رجل الدين يمارس طقوسه الدينية في زاوية الجامع ويبتعد عن السياسة، وبمتقضي تلك القاعدة الفكرية تم تحطيم الوعي السياسي لدى الفرد العراقي الذي كان شديد الالتصاق برجل الدين، بالتالي فإن المعوق الأكبر هو معوق ثقافي".

جهل الطبقة المثقفة جهل مركب

- الدكتور علاء الحسيني، الباحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، يتصور "وجود عدة عوامل منها على سبيل المثال: (العامل الثقافي، الفقر، البطالة القاتلة حتى في ميادين الزراعة والصناعة وفي وظائف الدولة)، فالمواطن يقضي وقتا طويلا من دون عمل مما يضطره للتكلم في الجانب السياسي، وحتى في المجالس العائلية والأسرية نحن أسرى لشبكات التواصل الاجتماعية التي يطغى عليها الجانب السياسي، بالتالي نحن نفتقر للمجالس الثقافية والأدبية والشعرية، وهذه واحدة من أهم إصدارات الغرب للعالم العربي والإسلامي، ناهيك عن القنوات الاذاعية والتلفزيونية التي دخلت للعالم العربي من خمسينيات القرن الماضي.

أضف إلى ذلك، فإن الجهل الموجود لدى الطبقة المثقفة، هذا الجهل لعله جهل مركب، هو لا يعلم أنه لا يعلم وهو لا يعلم، وهذه مشكلة حقيقية، فنحن بدل أن نوجه الجماهير العراقية بترك الأشياء التي تثير الشقاق والفرقة، نجد أن الأمر معكوس تماما، فالأحزاب السياسية تعبئ الجماهير وتخوفها من الآخر الشريك في الوطن، كذلك فإن أزمة الاحتجاجات الأخيرة جاءت بالكثير من عبارات التخوين إزاء الأشخاص الذين لم يشاركوا في التظاهرات، بالتالي هذا أمر أفرز حالة من الانشقاقات الاجتماعية ومن نتائجها تلك الجرائم التي ارتبكت في ساحة الوثبة وقتل الصحفيين في البصرة وغيرها الكثير".

الوعي السياسي لا يؤمن بالعنف

- الحقوقي احمد جويد، مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، يصف المجتمع العراقي على "إنه مجتمع معبئ بالعواطف والتفاخر والوقوف على الاطلال كثيرا، بالتالي السياسي الذي يريد الوصول إلى سدة الحكم والسلطة يأتي لتلك المفردات فيكيفها خدمة لمصالحه الذاتية، فالوعي السياسي من المفترض أن لا يؤمن بالعنف، ولكن للأسف الشديد حتى على مستوى الحوار تدخل فكرة الغالب والمغلوب، فالناس لا تسعى للاستفادة من الفكرة واستنطاق الحق مهما كان مصدره، فقضية الوعي العراقي مرتبطة في كيفية ترجيح رأي على الرأي الآخر، أيضا التمسك بالتاريخ يلعب دور كبير في تجييش المشاعر وتأطيرها".

رب الأسرة مسؤول عن مشكلة الجهل

- علي حسين عبيد، كاتب في مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، يجد أن المشكلة في الأساس هي مشكلة ثقافية، بالتالي فإن تأثير الأمم الأخرى على العراق لا ينحصر على المستوى السياسي فقط، بل تسللوا أولا عبر الثقافة والتحكم في الفكر ثم تدخلوا سياسيا، الأمر الآخر الذي لابد الإشارة إليه كون رب الأسرة هو المسؤول عن مشكلة الجهل السياسي والجهل بشكل عام، بالتالي على الأب وكذلك الأم مسؤولية متابعة ثقافة الأولاد وعن أفكارهم وتوجهاتهم".

تجذير العبودية

- حامد الجبوري، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية، يتوقع "إن غياب الوعي السياسي هو الذي أدى إلى الأزمات السياسية وإلى وجود الانشقاقات الاجتماعية، والدليل على ذلك نحن لحد الآن لا نؤمن كشعب بأننا مصدر للسلطات، وأن نحقق نظاما سياسيا يلبي طموحات وتطلعات هذا الشعب، فالتاريخ على ما أعتقد لعب دورا كبيرا في هذا المجال.

فعلى سبيل المثال، الحاكم دائما ما يمارس ثقافة التجهيل ليملي مخططاته على المجتمع، بالتالي ممارسة هذه الثقافة ولدت إنطباعا لدى المجتمع بأنه لا يملك خيار إلا الطاعة وتنفيذ ما يريده الحاكم، وهذا مما أنتج ثقافة العبودية والاستعباد، بالإضافة إلى ذلك، فإن الأنظمة الشمولية والدكتاتورية تبتعد عن اقتصاد السوق وعن القطاع الخاص، فعندما ينمي القطاع الخاص واقتصاد السوق سوف يرتقي المجتمع والأفراد في آن واحد لينافس الحاكم اقتصاديا، وهذا يقلل من هيبة الحاكم المستبد.

لذلك فالمسألة التاريخية في تجذير العبودية هي العقبة الأساسية التي تسببت بانخفاض الوعي السياسي ومن ثم حدوث أزمات سياسية انعكست على الصراعات الاجتماعية".

ضعف إدارة الأزمات بكل مسمياتها

- حيدر الاجودي، باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، يؤكد على أن الأزمات لها آثارها الخطيرة على المجتمع، سواء انعكست تلك الآثار على الوضع الإنساني الذي يؤدي إلى قتل أو جرح الكثير من البشر، أو التي تنعكس على الوضع السياسي والذي يهدد كيان الدولة السياسي كأن ينفصل إقليم عن الدولة الأم، أو ينقسم المجتمع ليطالب الآخرون بالامتيازات التي حصل عليها الإقليم أو الجماعة المنقسمة، أو تشكيل كيان سياسي مستقل يحمل أفكار ورؤى مغايرة عن الكيان الأصلي، وربما تنعكس هذه الآثار على الواقع الاجتماعي وتهديم كيان الأسرة.

كل هذه تصب في مصب واحد وهي ضعف إدارة الأزمة بكل مسمياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية أو ضعف التعامل مع هذه الأزمة أو إدارتها".

دور الإعلام في بناء التوازنات الاجتماعية

- كمال عبيد، مدير تحرير شبكة النبأ المعلوماتية، يعتقد "إن هذا الأمر مرهون على ثلاثة معطيات هي: مدى تأثر ذلك بصناعة الصراعات السياسية وطبيعة النظام السياسي وطبيعة المجتمع الموجود، طبيعة النظام السياسي خلال العقود القليلة الماضية اختلفت من نظام إلى نظام سياسي آخر، وطبيعة المجتمع حدثت فيه تحولات بسبب الحصار الاقتصادي إلى جانب العامل السياسي والاجتماعي، بالإضافة إلى ما تقدم فإن دور الإعلام في خلق الوعي السياسي كان دوره سلبيا وغير ناضج، بالتالي كرس صورة نمطية حول تمجيد الاشخاص والدعوة لأفكار سلبية معينة، هذا مما عزز من الصراعات الاجتماعية.

ووسائل الإعلام الحديثة تأطرت ضمن مجال معين لتكريس حالة السلبية وتعزيز حالة التخندق الاجتماعي وليس التوازن الاجتماعي، القضية الأخرى التي تتعلق بالإعلام هي الحرب النفسية واحد أهم أساليبها هو (التسميم السياسي)، أي يعني ضعف الثقافة السياسية وجعل الشخص مخترقا في مجتمعه، أخيرا ما نحتاج له في هذا الموضوع ولزيادة الوعي السياسي هو دور الإعلام في التثقيف السياسي، فالتثقيف السياسي مهم جدا وأدواته ووسائله كثيرة جدا، ولكن الإعلام إذا كان بمستوى حقيقي يمكن أن يسهم في بناء التوازنات الاجتماعية في المجتمع".

البناء السليم للمجتمع بنظام تعليمي نقي

- محمد الصافي، باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث، يرى "إن المجتمع العراقي ولحد الآن لم يبنى على الثقافة الوطنية، فالمجتمع العراقي ومنذ الدولة الصفوية والدولة العثمانية وهو يخضع لثقافة التجهيل وبشكل كبير، فالصراعات كانت وللأسف الشديد صراعات دينية وصراعات مذهبية، بالتالي العراق ولقربه من الدولتين الصفوية والعثمانية كان أشد دول المنطقة تأثرا، وهذا الخلل إلى الآن يدفع العراق أثمان غالية لأجله حيث الفرقة تعصف بالمكون السني والشيعي في العراق.

كذلك بعد تأسيس الدولة العراقية سنة 1920 أغلب المرجعيات الدينية التي كانت موجودة آنذاك رفضت الاندماج السياسي الجديد الحاصل في العراق أيام الحكم الملكي وتم مقاطعته مقاطعة كبيرة، بالتالي المكون الشيعي كان بعيدا عن المشاركة في جميع مؤسسات الدولة التعليمية والصحية، لذلك كان هناك انقطاع تام عن القرار السياسي في الدولة العراقية، وحتى في العهد الجمهوري لم يؤسس لثقافة صحيحة يشمل فيها كل العراقيين ويعزز دور المواطن العراقي، لذلك لم يشهد العراق حالة من الاستقرار حتى يختار نمط سياسي معين يمس بناء الدولة، لذلك نحن إلى الآن نعاني من تلك الصراعات في داخل المجتمع نفسه، ختاما لا نستطيع بناء المجتمع بناءً سليما ما لم يكون هناك نظام تعليمي نقي.

أما القضية الأخرى تتعلق بالإعلام نفسه فكل الحكومات السابقة التي حكمت العراق كانت تستخدم الإعلام لرسم صورة مزيفة للواقع الموجود، فالإعلام كان يسعى لتمجيد النظام وتلميع صورة القائد، بالتالي تولد انطباع لدى المجتمع العراقي بأن التغيير ليس له مسار آخر سوى الرئيس أو قائد الدولة".

الاعلام له دور في صنع الأزمات المجتمعية

- الدكتور حيدر آل طعمة، الباحث الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية، يعتقد "إن دور الصراع السياسي في زيادة الصراع المجتمعي والانقسامات المجتمعية هي من الأمور البديهية، ولكن يبقى السؤال المطروح لماذا تعززت هذه البديهية في العراق، لذلك نعتقد بوجود ثلاثة عوامل: العامل الأول الصراع العنيف بين الحاضنات الإقليمية للأحزاب السياسية، خصوصا وأن الأهداف والأجندة مختلفة، العامل الثاني الإعلام كان له دور كبير في تشويه الحقائق وزيادة الشرخ في المجتمع العراقي، والعامل الثالث هو طبيعة المجتمع العراقي بمكوناته الدينية وأعراقه، بالتالي هذه العوامل الثلاثة ساعدت وساهمة في تعميق الصراع القائم في المجتمع العراقي".

السؤال الثاني: كيف يساهم الوعي السياسي في بناء السلم الأهلي والتماسك الإجتماعي؟.

- الدكتور خالد العرداوي، يرى أن مكونات العراق الثلاثة لا يمكن جمعها بشعب واحد وفي إطار دولة حديثة، والشيء الآخر من لا يدرك قيمة الحب والجمال والرياضة لا يمكن أن يكون مثقفا، فالثقافة العراقية اليوم هي ثقافة عجائزية وجنائزية، فلا توجد لدينا ثقافة حقيقة في العراق.الشعب الذي لا يدرك قيمة تلك الأشياء التي تعمل تحولا في الوعي، بالتالي نحن لا نستطيع التحدث عن الوعي السياسي لأننا لا نعرف من أين يتشكل، فهل هو وعي حقيقي يدرك قيمة الأشياء ويدرك قيمة الخلق؟، نحن اليوم ومع الأسف الشديد في حالة من حالات الانحدار في الوعي السياسي، ولذلك يقول اينشتاين "إنه من الجنون أن تجد حل للمشكلات بنفس مستوى الوعي الذي أنتجها"، اليوم يحكم العراق وعي سياسي متخلف، وعي يحاول الاستئثار بالسلطة وعلى كل شيء بالمال وبالحقيقة وبالتاريخ، هذا الوعي لا زال يكفر الآخر أي يتكلم بعقلية القرون الوسطى ولا يتكلم بعقلية القرن (21)، للأسف السلطة السياسية في العراق تتعامل مع شعبها على أنه مجرد أرقام ولا تتعامل معهم على أنهم كيانات محترمة ولها مكانتها وقدسيتها، ومن خلال هذه الكائنات المخلوقة يمكن أن تهز الكون وأن تبني دولة، فالإنسان اليوم في الوعي السياسي ليس له قيمة، لذلك نحن في العراق وبهذا المستوى من الوعي سوف نبقى متخلفين وسوف تراق الدماء وتنتهك الاعراض وتمتهن الكرامات، ولا نستطيع التخلص من دائرة الأزمة الملعونة التي أصبحنا ندور فيها من سنة (1258) ولحد الآن".

- الدكتور عدي المفرجي، يرى "إن العراق بعد (2003) شهد تحطيما كاملا للبنى الثقافية والسياسية للمجتمع العراقي، بالتالي يمكن معالجة تلك التراكمات وحسب الأولويات وبمعاونة أولي الأمر وهم أحزاب السلطة المرجعية الدينية القادة النخب المثقفين الإعلام، القضية الثانية أن الوعي السياسي له علاقة بتماسك الدولة".

- الدكتور علاء الحسيني، يقترح "على الأحزاب السياسية في العراق برمتها أن تنسحب من خطابها الحالي الخطاب التعبوي الخطاب الساعي لزعزعة الوئام الاجتماعي والاتجاه نحو خطاب وطني، لم نتمكن من تغيير نمط التكوين الحزبي من الداخل والاتجاه نحو الأحزاب الهيكلية والأحزاب ذات الإستراتيجيات الكبيرة، بمعنى أدق أن نترك الناس تعيش بسلام ونترك الخطاب الطائفي والخطاب التشكيكي وغير الهادف إلى تحقيق الوئام الاجتماعي، من جانب آخر على السياسيين العراقيين جميعا أن يدركوا حقيقة أن الجيل الجديد يختلف عن الأجيال الأخرى، بدليل أن الاحتجاجات الأخيرة تعبر عن وعي سياسي كبير لدى هذه الطبقة الشابة، وأن كان لم ينضج تماما لكن هناك بوادر تنبأ بوجود وعي سياسي وقانوني وحقوقي لا بأس به، وهذا ما تم تشخيصه من خلال اللافتات التي رفعت أثناء التظاهرات فهناك درجة كبيرة من الإنتماء للوطن والحب للوطن والرغبة الصادقة بالإصلاح، الوطن الذي يحلمون به يكون مكرس للمواطن ولخدمة الوطن.من جانب آخر، إن المواطن العراقي يجب أن يؤمن إيمانا قاطعا أن السياسة ليست من مهامه، وإنما عليه أن يعيش بسلام وعلى السياسي أن يخدم المواطن فقط، أما أن يبقى المواطن في ركب السياسي لن نصل إلى الاستقرار وإلى الوطن الذي نرغب به، وهذا ما يحاول أن يجرنا إليه السياسي العراقي، بدليل أن الإصلاحات التي وعدنا بها لم يتحقق منها ولو (1%)، وذلك على اعتبار لو أنشأ قطاع خاص قوي الكثير من الشباب لن يذهب وراء المسؤول حتى يحصل على فرصة عمل وإنما سيكون في غنى عن هؤلاء (استغن عن من شئت تكون قرينه)".

- حامد الجبوري، يعتقد أن رفع الوعي السياسي سوف يؤدي إلى تحقيق التماسك الاجتماعي من خلال قضية الدولة، وخصوصا في ظل نظام ديمقراطي قائم على بناء الوعي السياسي، بالتالي عندما يكون لديك وعي سياسي عالي سوف ينتج نظام سياسي كفوء يلبي طموحات وتطلعات الشعب، وأيضا يتبنى مسألة توسيع الخيارات الاقتصادية أمام المجتمع، لذلك عندما نحقق الاستقرار الاقتصادي نحقق استقرار اجتماعي".

- حيدر الاجودي، يؤكد على "العبارة المقابلة للوعي السياسي هي الجهل السياسي والذي هو سبب رئيسي في خلق الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بالتالي فإن ازدهار الشعوب وتقدمها يعود لوعيهم السياسي، ختاما ما هو الفرق بين المثقف السياسي وبين الوعي السياسي؟".

- محمد الصافي، يتصور أن الوعي يأتي من الثقافة في المقام الأول، الشيء الآخر أن السياسة الاقتصادية للدولة هي التي تخلق حالة الرفض الشعبي للدولة".

وفي ختام الملتقى تقدم مدير الجلسة الدكتور قحطان اللاوندي، بالشكر الجزيل والإمتنان إلى جميع من شارك وأبدى برأيه حول الموضوع، وتقدم بالشكر أيضا إلى وسائل الإعلام التي شاركت بتصوير الملتقى الفكري الأسبوعي.

......................................

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات