يرزح العراق اليوم تحت وطأة احتلال أدهى وأعنف من الاحتلال العسكري، إذ أنه لا يستهدف الأرض، ولا نظام الدولة، بل هو احتلال من نوع آخر، يستهدف جوهر الانسان، والمنظومة الفكرية للعقل، والبنية التحتية للعقل البشري، إنه احتلال ينخر بالمنظومة الأساسية لصناعة الحياة وفق الدستور الإلهي، إنه احتلال العقل، وهذا النوع من الاحتلال يعد أخطر الممارسات الاستعمارية لتجهيل الآخر، فهو ليس له نهاية لأنه ليس له وجود عسكري بل وجوده مفاهيمي وإيديولوجي، فنهايته تستدعي ثورة فكرية ثقافية كبرى توجه الى أساسيات العقل، ثورة تهز الثوابت والقيم الزائفة والراكدة والمقدسة، وهذا الأمر لا يمكن أن يحصل بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى ممارسة دائمة، فنحن أمام احتلال طويل الأمد لا يمكن التخلص منه بسهولة لأنه احتلال نفسي يستند إلى مواثيق دينية أصبحت مع شديد الأسف لا تمس، وتحولت إلى مقدسات صعبة الاختراق.

تجهيل العقل العراقي

  فقد العقل العراقي الكثير من فرص التقدم والتطور، لأنه لم يجد الفرصة لتحصيل الثقافة والوعي بسبب كثرة الحروب والمشاكل الدولية التي مر ويمر بها العراق، والتي جعلت الشعب العراقي يعيش حالة من الافتقار للوعي الثقافي والسياسي، لأن همه الأكبر هو في تحصيل لقمة العيش والاستقرار والأمن، مما دفع به إلى الخمول وعدم الشعور بالواقع الذي حوله، بمعنى أن تلك الظروف ساعدت على سلب نباهته الإنسانية والاجتماعية، وأصبح لا يرى لنفسه مسؤولية بالنسبة لتقرير مصيره ومصير مجتمعه، وقد استفاد النظام البائد من انكفاء العقل العراقي على ذاته في بسط سطوته واستعماره واستغفاله لسنين طويلة كانت عجافا، فعمل على تسويف العقل العراقي وجعله مصبوبا في قوالب الفكر البعثي، فأحدث فيه تغييرات عميقة في بنيته وأدوات تحليله وطريقة إنتاجه المعرفي، والذي وضع مواصفات تخدم السلطة البعثية وخطابها التغييبي الذي يرى أن حكم من يتدخل بالسياسة هو الإعدام!، مما جعل العقل العراقي لا يفكر ولو للحظة واحدة في إنتاج نص سياسي يشم منه رائحة نقد الدولة، فضلا عن التفكير في إيجاد تجمع مناهض للدولة.

استعمار العقل العراقي

   إن الظروف السلطوية (الدكتاتورية) أنتجت عقلا (خائفا) مترقبا حذرا يسير في طريقه، ولا يلتفت إلى واقعه المأساوي، والذي بدوره أعطى الضوء الأخضر إلى السلطات يومئذ لتمرير مؤامراتها لسلب حقوق الشعب وقتل رموزه الفكرية ومرجعياته الدينية وإخضاعه إلى نواميسه وقوانينه المخالفة لحقوق البشر.

هذه الحالة التي وصل إليها العقل العراقي قد أعطت مؤشرا للاستعمار في استغلاله وتوظيفه في خدمة مخططاته الاستعمارية، لأن الاستعمار دائما يدرس الواقع النفسي والاجتماعي للشعب الذي يريد استعماره ليرسم من خلالهما السياسة العامة لتمرير غاياته وأهدافه المشؤمة.

إن مشروع استعمار العقول تجلى واضحا على عقلية الشعب العراقي في تسعينات القرن الماضي، حيث أخضع لمدة من السنين لأقسى حصار في التاريخ وضخ الدعايات المستمرة أن النظام الحاكم في العراق هو المتسبب في الحصار والجوع والمرض والفقر، حتى وصل العراقيون إلى مرحلة استسلام نهائي قبل إطلاق طلقة واحدة باتجاههم.

وفي أواخر ٢٠٠٢ كانت الأغلبية تعتقد بأن أي احتلال من أي قوة أجنبية أفضل مما هم فيه، فربما تنفرج الأمور بوجودهم، ربما يرون الضوء في نهاية النفق، هذه النتيجة غير الطبيعية لغريزة البشر وكل الكائنات الأخرى (مقاومة العدو الغازي لموطنك) تم تغييرها بالتطويع وغسيل الأدمغة.

فيما نراه اليوم من عدم الاكتراث والتفكير في واقع المجتمع، والمستعمر العسكري والاقتصادي والثقافي والسياسي جاثم على صدر الشعب ينهش به جسديا وفكريا، حتى وصل الحال الى تجهيل الشعب وتخديره وسلب الإرادة والنباهة الاجتماعية منه، محاولا جهد الامكان تفكيك اللحمة الوطنية للشعب العراقي عبر بث سموم المستعمر على الشعب بتطويع آخر مفاده: ستتوقف التفجيرات والقتل والمشاكل السياسية والاجتماعية والمهاترات الاعلامية، عندما تستقل كل طائفة بإقليمها أو بموطن خاص بها. وقد وصل الشعب إلى مرحلة القبول.. ليكن ما يكون فهو أفضل مما نحن فيه. هذه هي عملية احتلال العقل.

صناعة العقول

   يوظف المستعمر (العسكري والاقتصادي والثقافي..) الإعلام وعملاؤه وأذنابه لتنفيذ المخطط الرامي الى الاستمرار في مؤامراته وسياساته الهادفة لإخراج العقل العراقي من دائرة الوعي السياسي والاجتماعي تجاه فكر وثقافة المستعمر، مستخدما كل قنواته الاعلامية والثقافية، كما يفعل اليوم، لصناعة عقل متميع، وبالتالي أمة ميتة همها لقمة العيش، مهما كان مصدرها.

والنقطة الأساسية هنا، إن هذا الانقياد والتوجه للاستعمار والانقلاب الفكري يحصل بشكل لا شعوري للفرد، لأن طبيعته توهم المقابل بجمالها وصحتها، فنجد الكثير ممن ينجرف مع المخطط الاستعماري لاحتلال العقول، بسبب بساطة عقولهم، وبالتالي يصبحون أبواقا للمستعمر من حيث لا يشعرون.

إن الاستعمار هو الذي يدفع المجتمعات المستعمرة إلى طريق الانحدار الحضاري والتخلف في المستوى الثقافي والاجتماعي، وبالتالي عدم مواكبة التطور الحضاري الذي تشهده المجتمعات الأوروبية اليوم، وهذا ما يفسر لنا عدم تطور العراق ومجتمعه ورجوعه إلى الوراء، لأنه بالإضافة إلى الأسباب الاجتماعية والنفسية فأنه إلف الحروب والاستعمار والدكتاتوريات طوال قرون بدءا من احتلال المغول لبغداد، والأتراك ومرورا بالاحتلال البريطاني، ودكتاتورية صدام والحروب مع إيران والخليج وانتهاءً بالاحتلال الامريكي – البريطاني الذي مازلنا نعيش مأساته إلى يومنا، وهو يقتل الحياة والوعي والثقافة ونظام الدولة السياسي.

أزمات العقل المحتل

   وهنا يمكن القول، إن جميع تصورات وقناعات العقل المحتل جاءت نتيجة لضمور عامل الوعي الديني والسياسي واندثار مفاهيم الثورة المعرفية والثقافية ورفض الظلم، ومن هنا أصبح العقل المحتل عقلا تبدو عليه الروح الانهزامية، ويحوي فكرا تبريريا للمستعمر وسياساته، فهو لا يرى أملا في الخلاص سوى بالاحتلال نتيجة لاستسلام عقله وجعله طوعا بيد المستعمر، ويميل إلى فقد الثقة بالنفس ويتجاهل ذاته معدا نفسه خاملا في المجتمع، فهو فاقد الإرادة والعزيمة على التغيير حتى مع نفسه، لذلك نجده منزويا مستغرقا في حسه الفئوي والفردي، رافضا الخطابات النهضوية والتغييرية حيث يراها خطابات تحريضية على العنف والفوضى، ويتجه نحو السكون والركود والرضا بالقدر المحتوم، هذه هي ببساطة توجهات العقل المحتل التي يمكن للفرد أن يكتشفها بمجرد الحوار معه حول ما يحدث اليوم في العراق، والمشكلة أن هذا العقل يزداد تطرفا في تصوراته لمشروع الاحتلال كلما حدثت أزمة في العراق سواء كانت أزمة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية.

أخيرا.. تحرير العقل

   لذا نحن بحاجة إلى عملية تحرير العقل من الاستعمار، بمعنى أنه يجب أولا أن نعلن الجهاد على العقل لتحريره من الهيمنة المستعمرة، لأن احتلال العقل يعني موت الإرادة، وموت الإرادة يعني استمرار الاحتلال، اذن فحركة التحرير النهائية تبدأ من الداخل وتتجه نحو الخارج، بثورة فكرية تحاكي العقل الميت وتهز فيه القيم الزائفة التي أوجدها الاحتلال، ثورة تهز ضمير الشعب العراقي المهزوم فكريا وثقافيا، وتمزق الصمت المرير الذي ابتلي به العقل العراقي، وتبث فيه روح الثورة الفكرية وروح المعرفة الحقيقية وروح تقبل التحرر من عبودية الجهل.

...................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات