تقارير

عصر الجماهير هل يصحح المسير؟

إن الظروف التي يمر بها العراق تنبئ بحدوث تغييرات كثيرة على المستوى الاجتماعي، والسياسي، والفكري، والاقتصادي، والنفسي وحتى الخدماتي، وقد يستلزم ذلك حدوث تغيير في تركيبة المجتمع على صعيد التغيير في طبيعة القوى العاملة من ناحية تركيبها وتوجهاتها، وقد يستلزم حدوث تغيير في طبيعة القيادات الميدانية والهرمية ونظرتها الجديدة الى الفرد والجماعات والمؤسسات والنقابات، وتحولها من قيادة سلطوية حزبية الى قيادة تكنوقراطية إدارية، وتبعا لذلك ربما ستولد جماعات قد تختلف مصالحهم وقد تتعارض مع التغيير الجديد، كما سيكون التغيير في مفاهيم الأفراد وتطلعاتهم أو نظرتهم إلى الأمور ودورهم في اتخاذ القرار المتعلق بمصالحهم الفئوية، ويمكن أن يصيب التغيير خارطة الحركات السياسية، مما قد يؤثر في المفاهيم والقيم السائدة.

الملفت للنظر، إن ثورة تشرين الأول انطلقت بهيأتها الشعبية في العراق، من شرارة صغيرة أشعلها مجموعة من خريجي الجامعات العاطلين عن العمل، بعد ما سُدت في وجوههم أبواب طرق الحياة، في بلد تتحكم فيه القبضة الحزبية ويتمكن فيه الفساد من كل مفاصل الدولة ومرافقها، متمثلاً ومتجسداً في رموز السلطة الحزبية وأجهزتها القمعية. ثم اتسعت دائرة الشرارة تدريجياً لتشمل كل طبقات المجتمع العراقي وتحولت في يوم 25/ تشرين الاول/ 2019 إلى بركان شعبي مدوي غطى كل مناطق الوسط والجنوب العراقي تحت عنوان رئيس هو (#نريد_وطن)، وعمت المظاهرات الاحتجاجية الشعبية أغلب أرجاء البلاد، وتوحّد الناس جميعهم حول ازدواجية الحرية والمواطنة التي سوف لن تتحقق إلا بزوال ازدواجية القمع والفساد السلطوية.

بالمقابل، المتسلطون على كراسي الحكم رغم افراطهم في استخدام العنف ضد شعب أعزل لا يملك غير صدور مفتوحة للرصاص، وحناجر تطلق الهتاف في الهواء الطلق، داعين إلى التحرر من الفساد الحزبي، أصروا على الاستمرار بوضع أصابعهم في آذانهم وعدم الاستماع إلى الجماهير الغاضبة عبر استخدام القمع ومحاولة تجهيل المطالب الشعبية التي تنادي بحياة حرة كريمة وتسويفها كما حدث في الاحتجاجات للأعوام السابقة.

إنتقال جماهيري

انتفاضة تشرين أو كما يسميها البعض ثورة تشرين، استحوذت على عقل وضمير كل الشارع العربي باهتمام وقلق شديدين، حيث صار أغلب الناس يتابعون تفاصيلها لحظةً بلحظة، ويرصدون نتائجها خطوة بخطوة، ويتلقون نجاحاتها بارتياح، ليطرح السؤال المركزي هنا حول سر هذا الانتباه الزائد والتجاوب العفوي التلقائي الواسع الذي حُظيت به هذه الانتفاضة من قبل الجماهير في كل المنطقة، بحيث طغت سريعاً على التداعيات السياسية الإقليمية.

لقد تمددت انتفاضة تشرين بوصفها حالة سريعاً على لبنان بذات الشعارات والمطالب التي تدعو الى رحيل النظام والتغيير الشامل وإطلاق الحريات، ومواجهة سيطرة الأحزاب والمحاصصة الطائفية، ومعالجة مشكلة البطالة وسط الشباب، ومحاربة الفساد ومؤسساته ورموزه. ثم انتقلت الحالة العراقي الصحية إلى إيران والجزائر (مع الفارق في التفاصيل)، ثم إلى بعض البلدان الآسيوية والغربية، بذات المطالب والتعبيرات والروح الشعبية، أي احتجاجات سلمية واندفاع شعبي وتوحد حول الشعارات الكبرى التي سقفها تغيير النظام والحرية والعيش الكريم.

القاسم المشترك

القاسم المشترك الأول/ في كل الساحات الشعبية هو حالة القطيعة بين الشعب والسلطة، وتفشي ظاهرة الاستياء الشعبي ضدها، حيث تمثل السلطة في نظر المواطن رمزاً للتسلط والقهر والفساد. وأهم من ذلك تمثل السلطة رمزاً للعجز وعدم القدرة على التصدي لمطالب المواطن اليومية البسيطة، ما يستوجب بنظره تغييرها والاتيان بسلطة معبرة عنه، وقادرة على تلمس مشكلاته وهمومه.

والقاسم المشترك الثاني/ طبيعة هذه الأنظمة نفسها، حيث أنها لا تكترث إلى الشعب بقدر ما تكترث إلى وسائل تمكين نفسها في السلطة، ولذلك فهي تبدد أموالاً طائلة على الأجهزة القمعية، لاعتقادها بأن القمع هو الأسلوب الوحيد الذي يحافظ على بقائها في الحكم مدى الحياة، أو يمكنها من توريث الحكم أسرياً، لذلك نلاحظ توحد في أساليب التعامل مع هذه الاحتجاجات السلمية من قبل السلطة ابتداءً من الإفراط في استخدام القوة والعنف، إلى الاعتقالات والسجن، إلى تقييد حرية الصحافة والإعلام عموماً، إلى إتهام المتظاهرين باتهامات لا أساس لها مثل الفوضى والشغب، إلى محاولة اختراق الاحتجاجات بعناصر مدسوسة، لاستهداف الناشطين و اقتناصهم، وهكذا.. وقد أثبتت التجربة أن كل هذه الأساليب لا تنفع، وإنما تفضح النظام وترتد عليه، حتى إذا ما استنفدها جميعاً يبدأ في إجراءات تكتيكية لامتصاص غضب الشارع الذي وصل إلى مرحلة اللا رجعة.

قيادة القيم

إن الملاحظ بعين الباحث، إن الجماهير اليوم أدخلت قاسما مشتركا ثالثا في حركتها، والذي يدعى بقيادة القيم!، إن الملفت للانتباه في هذا التحرك الجماهيري لم يكن فيه نواة قيادية مركزية مؤثرة واضحة بل كانت الجماهير مؤطرة بشكل وجداني نحو قيم جامعة تريد الجماهير الوصول إليها من خلال الالتزام التام والانضباط الذاتي، إن إدخال القاسم المشترك (قيادة القيم) كمفهوم قيادي لدى الجماهير منبثق من وجدان المجتمع وترسباته الفكرية والتعليمية التي تنادي بحب الوطن وتكريس روح المواطنة في نفوس ابنائه، حيث يسوقنا هذا المفهوم لأن نطلق على هذه المرحلة بـ(عصر الجماهير)، وإنه لمن المؤكد لهذا التحول ستكون له تداعياته على المنطقة كما كانت هناك تداعيات في ثورات الربيع العربي التي أدت إلى تغيير الأنظمة المستبدة والدكتاتورية الظالمة للشعوب.

علاقة الدولة بالشعب

كانت السياسة التقليدية للدول والمنافسات الجارية بين الحكام هي التي تشكل العوامل الأساسية لتحريك الأحداث، ولم يكن لرأي الجماهير في الغالب الأعم أي قيمة. أما اليوم فنلاحظ أن التقاليد السياسية والتوجهات الفردية للحكام والمنافسات الكائنة بينهم لا تؤثر على مسار الأحداث إلا قليلا، وقد أصبح صوت الجماهير راجحا وغالبا، فبعد الثورات الشعبية أصبح صوت الجماهير الهادر هو الذي يملي على الحكام تصرفاتهم في الدول الديمقراطية، وفي حال عدم الاستماع للمطالب الجماهيرية ستتولد فجوة بين الشعب والدولة مما ستؤول الأمور إلى حدوث حالة التصادم والجفوة بين الطرفين، وهذا الأمر يعتمد على روح الجماهير العاقلة، فبإمكان الجماهير أن تكون خاضعة للذل والهزيمة أو تكون رافضة للظلم وتندفع بقوة لتدخل سجلات التاريخ بعفويتها ووعيها وتغير المسارات الدكتاتورية، لأن الشعوب هي مصدر السلطات.

وجاء هذا التوضيح على لسان السيد مرتضى الشيرازي في مقدمة كتابه (ملامح العلاقة بين الدولة والشعب): "إن شكل العلاقة بين الدولة من جهة، وبين الشعب والهيئات المجتمعية من جهة ثانية، تعد الإطار المرجعي لشرعية الحكم والسلطة، التي ترتكز اليها فاعلية الدولة والحكومة ومؤسساتها، حيث يعد مفهوم الأمانة ومصاديقها، وإسقاطها على الدولة ومسؤولية الحكم، وبيان الحدود الشرعية والعرفية والعقلائية لها، في إضاءات الأدلة النقلية لها هو المرجعية الشرعية لتبيان الأطر الحقوقية لشرعية الحكم وسيادة الدولة، والصلاحيات المخولة لها".

ماذا بعد؟

لا بعد، إلا ما يقرره الشعب، بقواه الشبابية الجديدة، التي تريد ديمقراطية ناصعة ونظيفة، وحكماً شفافاً عادلاً، واقتصاداً إنسانياً متعافياً، ومحاسبة للذين قادوا البلاد إلى بؤسها.

لا بعد، إلا ما يمارسه الشباب بقواه الفكرية، من رفض سيطرة الأحزاب على السلطة، التي حكمت العراق بأسم الجماهير والدين، ورفض السلاح إلا بيد القوات الأمنية التي مهمتها حماية حدود العراق لا قتل ابنائه.

ماذا بعد، أمر بسيط يحصل: الجماهير تنتصر بعفويتها وقوتها، والحرية تنتصر بجماهيرها السلمية، والشهداء يزفون بحب الوطن، إنه عصر جديد، وتاريخ جديد... إنه عصر الجماهير.

...................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2019 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات