لم يكافح شعب في المنطقة العربية مثلما كافح أبناء الشعب العراقي وخاصة أبناء الفرات الأوسط في سبيل بناء الوطن، فمنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 طالب العراقيون بإقامة الدولة بعيدا عن الاحتلال البريطاني، وقاطعوا الدولة بعد ذلك في بعض المراحل من العهد الملكي ظنا منهم بأن ذلك سيحقق الاستقلال، وأستمر ذلك النهج بمعارضة الأنظمة الشمولية التي تبنت النظام الجمهوري بعد حركة عبد الكريم قاسم في العام 1958 لا سيما نظام البعث الشمولي منذ الستينيات ووصولاً الى عام 2003، ودفعوا من أجل ذلك كوكبة بعشرات الألوف بين شهيد ومغيب، وقد تأمل العراقيون خيرا في سقوط نظام صدام حسين الشمولي الاستبدادي على يد قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية في بناء وطن يسوده حكما رشيدا وعدالة اجتماعية وتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية سريعة.

كانت خيبة الأمل حصيلة ترقب العراقيون من نهج الحاكم لمدني بول بريمر، ومن ثم قادة العراق الجدد ومؤسساته التي يفترض أنها ديمقراطية كمجلس النواب، والسلطة التنفيذية، وكذلك السكوت من قبل السلطة القضائية على مخرجات السلطتين التشريعية والتنفيذية الذي وفر حالة من الطمأنينة لتلك المخرجات، فبدل الحكم الاستبدادي، والحصار الاقتصادي في مرحلة البعث أراد العراقيون حكماً شفافا ديمقراطيا تداولياً يتيح الحريات وحق الحق الكريم، ودولة قائمة على أسس من الشفافية والحكم الرشيد الذي يحقق العمران وتساوي الحكام، والمحكومين أمام القانون، لكن حالة الاستبداد التي من المفترض أن تتحول إلى حكما ديمقراطيا رشيدا وعادلا أصبحت كابوسا يراود يقظة العراقيين كل لحظة من عبث السلطة والمحاصصة في التشريعات وتوزيع المناصب، وفساد الأحزاب ونهب الدولة والقضاء على اقتصادها غير النفطي، فضلا عن بروز حالات فوضى السلاح الحزبي والعشائري، وسيطرة الأحزاب السياسية والقوى الدينية من جميع المكونات على المشاريع السيادية كالوزارات والمنافذ وحتى الدور التعليمية والتربوية، كل ذلك جاء من أخطاء ارتكبت في عملية كتابة الدستور، حيث كتب بطريق المكونات والحصول على المكاسب المناصبية، ومغانم السلطة والنفوذ، كما أقرت القوانين التي من المفترض أن تنظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بذات الطريقة مع التأكيد على حفظ وجودها البارز في الهيمنة على السلطة (قانون الاحزاب، قوانين الانتخابات والمفوضية، وقوانين الامتيازات، وغيرها)، رافق ذلك تعاطف من بعض فئات الشعب مع تلك القوى في بعض المراحل لأسباب مختلفة ولعل ابرزها المشاعر الطائفية.

وبعد أن أستطاع العراقيون هزيمة تنظيم داعش وهي قصة جزء من إيجادها فساد أقطاب السلطة التنفيذية وبعض القوى السياسية والعشائرية هنا وهناك في سنوات 2009 إلى 2014، تفرغ العراقيون إلى التخلص من الهم المؤجل المتمثل بإيجاد الوسائل للتخلص من الطبقة السياسية التي عاثت بالبلاد وأنهكت المجتمع، في ظل الكشف عن المستور بفعل التقنية التكنولوجية كوسائل التواصل الاجتماعي، في بيئة اجتماعية كبيئة مناطق الوسط والجنوب تعشق الجدل، وتثيرها القضايا السياسية، وتغيير المزاج الشعبي والحماس في قضايا الوطن، من هنا هم اول من اندفع بالألاف في مواجمة تنظيم داعش الارهابي في منتصف عام 2014 ويطفوا على مزاج سكان تلك المناطق الطبع المتذمر من الفوضى الحزبية لاسيما بعد فترة من سيادة نمط الحكم الحزب الواحد المستبد بالسلطة، برزت حالة من الحداثة في مطالب المحتجين من المطالب الخدماتية التي تخص معالجة البطالة، وخلق فرص التعيين.

  أطلق العراقيون في مطالبهم الاخيرة شعارات وهاشتاكات على وسائل التواصل الاجتماعي أمثال: (#نريد_وطن) و(#ماكو_وطن_ماكو_دوام) للتعبير عن حالة وطنية شاملة لا تقتصر على مجالات الشخصية، وإنما مطالب يتحقق من خلال الحكم الرشيد وسيادة القانون، وحكم الكفاءة الوطنية، وتحقيق التنمية الشاملة واحترام الانسان العراقي داخل بلده وخارجه، وهذا ما يفسر حالة الوعي في انتفاضة تشرين من هذا العام، إضافة إلى دخول شرائح الشباب على خطها لاسيما بعد الاضرابات والعصيان المدني، إذ أن إطارها العام حالة شعبية تريد النهوض بالبلد عبر التغيير السياسي وهذا ممكن في ظل ما شهدناه من تصاعد حالة الثورية في المدن العراقية لكن هذه الحالة لا تخلو من الهواجس بفعل تضارب المصالح وتحقيق الرغبات، وتتمثل هذه المخاوف بما يلي:

اولاً: التصعيد المحتمل من شرائح سياسية واجتماعية لا تزال تفكر بعقلية المكونات كما هو الحاصل مع تحذيرات ساسة إقليم كُردستان من مغبة التعديلات الدستورية، كما أن خطابات ساسة مناطق غرب وشمال بغداد لا تزال تظن أن الجماهير المنتفضة للمطالبة ببناء وطن هي جماهير خارجة على أحزاب معينة وبالتالي هي غير مشمولة بالتغيير، في حين أن المراقب يرى بعين صافية أن قضيهم قضية وطن بعيدا عن لغة المكونات التي أديرت بها الدولة طوال السنوات الماضية والغاية تشكيل حكومة عادل عبد المهدي الحالية.

ثانياً: من المخاوف الأخرى، دخول أطراف سياسية ترى نفسها أحق بالسلطة وأن الائتلافات التي اختارت عادل عبد المهدي وشكلت حكومته قد سلبت حقها بالسلطة التنفيذية.

ثالثاً: دخول جماعات دينية وسياسية متطرفة تحت عناوين وشعارات لا يهمها إقامة العدل او تحقيق سيادة القانون وإنما الغرض من المشاركة وبقوة في الاحتجاجات، وقد تكون هي من يعمل على أعمال عنف ليس في أجندات المحتجين وإنما هدفها تسقيط مرجعيات دينية، وقوى وتيارات سياسية عند أغلب الناس وخاصة الجمهور المحتج لتحل مكان هذه القوى، أي تكون مرجعيات عليا للناس وتتصدر المشهد السياسي.

رابعاً: التدخل الخارجي الذي يبتغي استمرارية جعل العراق منطقة لتصفية الحسابات بين الدول المتخاصمة على النفوذ الإقليمي، وهزيمة الخصم من خلال الساحة العراقية لاسيما بعد تصاعد حدة الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين من جهة وإيران وبعض الجماعات من جهة أخرى،  ويأتي العراق في مقدمة تلك الدول المستهدفة جراء هذا الخلاف إضافة إلى سوريا واليمن ولبنان الذي يعيش ابناءه حراك بناء الوطن في تعقيدات معادلة صعبة تشبه المعادلة العراقية من بعض الوجوه كعرف المحاصصة.

وبالمحصلة النهائية، لا أظن أن الجهات المذكورة ستفلح في أهدافها إذا تمكن الشعب فرض محدداته وغاياته ومشروعه الوطني الإصلاحي وبصورة سلمية في تبني قضية بناء الوطن، ومؤسسات الدولة بطريقة عقلانية رشيدة. ومهما كانت تعقيدات المعادلات الداخلية والخارجية في العراق ولبنان فأن الحراك الشعبي يرتقي إلى الانتفاضات التي تتصاعد بها نزاعات المواطناتية التي تريد أن تنتقل في بلدانها من حالة العبثية والفساد إلى بناء دول وطنية يقودها رجال دولة استثنائيين (مشرعون، منفذون، قضاة) يديرونها على أساس الشفافية، واحترام القانون، والمحاسبة القانونية، والعيش الكريم والتقدم والبناء الاقتصادي والصناعي، والعمراني، والتعليمي.

....................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2019 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات