مر أكثر من أسبوعين على اندلاع احتجاجات جيل شبابي عراقي تملكه اليأس من آداء ووجود القوى السياسية الحاكمة منذ عام ٢٠٠٣.

في العراق، النظام السياسي كما هو معروف نظام برلماني، ولهذا يعد مجلس النواب هو السلطة الحقيقية الحاكمة للدولة، إذ تنبثق منه جميع المؤسسات الأخرى، وتعد الأداة الرقابية والتشريعية من أهم أدوات مجلس النواب وتدخل في صلب اختصاصاته الفاعلة، إذن فقياس مستوى فعالية الأداء الإنجازي للحكومة ينطلق من فعالية البرلمان في الرقابة والمحاسبة والتشريع ومتابعة تطبيق قوانينه ومدى شفافيته ومصداقيته. ولكي نبحث عن قدرة مجلس النواب في إحراز الحكم الفاعل لابد البحث في أدوات انبثاقه وركائزه.

ويدخل قانون الانتخابات ضمن أدوات انبثاق منظومة الحكم، ويعد من أهم القوانين التي تعمل وتسمح بإعادة تكوين السلطة وتمثيل الشعب تمثيلاً عادلاً وحقيقياً. فإذا كان قانون الانتخابات هزيلا غالباً ما تكون الانتخابات هزيلة الشكل والمضمون، فبناء انتخابات على قانون لا يسمح بالمنافسة الديمقراطية الحقيقية ستكون مآلات الفاعلية للمجلس المنبثق من القانون هزيلة أيضا.

وتجدر الملاحظة إلى أن النظام الانتخابي الوارد في قانون الانتخابات يعتمد التمثيل النسبي المبني على صيغة سانت ليغو المعدل والدوائر الانتخابية المتعددة، لا يحفز على المنافسة ولا يضمن عدالة منطقية في صعود الفائزين وفقا لكياناتهم ودوائرهم الانتخابية المرتبطة بنسب المشاركة، والمعروف أن آخر انتخابات حصلت في العراق ١٢ مايس ٢٠١٨ سجّلت مشاركة سياسية ضعيفة في الانتخابات، فالأرقام الرسمية سجلت نسبة ٤٤%، وهنالك أرقام غير رسمية سجلت نسبة ١٨% فق، إذ في هذه الانتخابات ٢١ نائب يمثلون الشعب و٣٠٧ نائب يمثلون الأحزاب وقادتها، كما أن ما ينسحب على مجلس النواب ينسحب على مجالس المحافظات والتي تحتاج أيضا إلى إعادة نظر في مجال الأداء، إذ لازال الفساد يدور حول الموازنات المخصصة لتلك المجالس منذ عام ٢٠٠٣ فلا أحد يعرف حجم التخصيصات لتلك الحكومات المحلية وكيف صرفت؟ وماهو أثر هذا الصرف؟ ولذلك لابد وضع إطار قانوني جديد في قانون الانتخابات إضافة إلى تقليص أعضاء مجالس المحافظات الذي حدد بتعديل قانون انتخابات مجالس المحافظات مؤخرا يحدد مهامهم وصلاحياتهم ومراقبة أداءهم بالشكل الأمثل، وأيضا تحديد حجم الموازنات وآليات ومنافذ الصرف، عبر إعادة هيكلة الإدارة المالية للحكومات المحلية، وتقليص مهامها فقط في إطار الخدمات كالصحة والبنى التحتية للمحافظات من إسكان وإعمار وصرف صحي وزراعة وصناعة محلية، ناهيك عن توسيع إطار المحاسبة عن التقصير والهدر والفساد للمحافظين وأعضاء مجالس المحافظات السابقين والحاليين.

إضافة إلى ذلك، فأن مشاكل الحكم القائمة منذ وقت طويل، ناجمة أيضا من عدم قدرة الحكومة ومؤسساتها على ضمان التوزيع العادل للموارد بين سكان البلاد والمناطق، وهنالك اعتمادية على مورد النفط في الدخل القومي، وانتشار الفساد السياسي والمالي والإداري وسيطرة الأحزاب على المواقع والمناصب والوظائف والمشاريع الاستثمارية، أدى إلى هشاشة وانتشار الصراعات والعنف وعزز الفقر والاستبعاد الاجتماعي في العراق.

كان الوضع قبل إندلاع الاحتجاجات الأخيرة يحتاج إلى إرادة والتزام سياسي قوي ومتواصل لوضع أسس لمكافحة الفساد وتقوية إطار المحاسبة والمساءلة، يعمل على تأسيس مصداقية شعبية بالفاعلين السياسيين نحو تبني سياسة عدم التسامح مع الفساد وشن هجوم مباشر عليه مما ينجز الفاعلية في أداء المؤسسات ويشجع الإصلاحات بأسرع وقت ويحقق نتائج سريعة، وأيسر السبل لذلك عبر تطوير السلطة القضائية والحفاظ على استقلاليتها واحترام قراراتها إضافة إلى تفعيل الادعاء العام وهيئات الرقابة المستقلة كالنزاهة وديوان الرقابة المالية.

كانت الفرصة سانحة لتغيير عقلية القيادة ودورها في تنفيذ هذا الأمر هو الفيصل في إنجاز الإصلاحات ومبارزة الفساد بعد تشخيص العوائق والأمراض التي أصابت فاعلية النظام السياسي، إلا أن أغلب الأحزاب والقوى السياسية لم تكترث ولم تأخذ زمام المبادرة ولم تعمل على الخضوع للمحاسبة وتطبيق وإنفاذ إجراءات القانون.

لذلك، فأن ساعة التغيير حانت؛ من أجل صعود أسماء جديدة إلى سدّة الحكم بعيدا عن رموز الفساد والفشل والمحسوبية، الذين أضاعوا البلد وفرطوا بمصالح الشعب في مزايداتهم وتجاذباتهم وصراعاتهم وحساباتهم الضيّقة من أجل المناصب ومنافعها.

الآن من الطبيعي والضروري أن تتغير الخارطة الانتخابية والحزبية بعد ١٦ عام من الفشل والفساد والخداع وتجارة الأوهام والضحك على الناس، وينبغي على الجميع الإستفادة من العبر والدروس حتى يبرز الاتفاق عن مستقبل سياسي ايجابي للشعب العراقي، وهذا يتطلب أن تفهم الأحزاب والقوى السياسية أن حبل الكذب والوعود الجوفاء قصير، وأنّ الشعب العراقي أذكى من مناوراتهم وشعاراتهم التي لا تقدم ولا تنفع ولا تغني من فقر وجوع، عليهم أن يتفهموا أن ساعة التأمل ومراجعة الذات والجدية على صياغة وتقديم رؤى وبرامج واقعية تقنع الناس وتنفع البلاد والعباد قد حانت.

إن التغيير هو بادرة الأمل الوحيدة، والديمقراطية يمكن أن تترسخ من جديد إذا ما توفرت لها الشروط والظروف الطبيعية، وهو ما يتجسد في تغيير حقيقي في المنظومة الانتخابية القادرة على  إفراز قوى سياسية جديدة في الساحة لم تكن موجودة من قبل.

فقد أيقن الشعب ضرورة تخلصهم من إرث الأحزاب والشخصيات التقليدية، التي لم تقدم شيئاً لهم، إذ لا بد من الحد من نفوذ الأحزاب المرتبطة بمؤسسات الحكم، فالشعب العراقي تعرض لهزات وتحولات كادت أن تعصف بالمجتمع والدولة والنظام بشكل مأساوي، لكن الإرث المرجعي والوعي الشبابي وبعض معطيات التحول الديموقراطي تعطي قدرا من المناعة ضد الانهيار الكامل الذي تعرض إليه العراق عام ٢٠٠٣، رغم أنه تعرض إلى انهيارات جزئية بعدما اجتاحه الإرهاب المنظم عام ٢٠١٤.

العراق يعاني من أزمة قيادة قفزت إلى سدة الحكم ولن تقدم مشروعا وطنيا ولا أداءً إنجازيا قادر على إدارة البلد، لكن التلوث لم ينل كثيرا من الضمائر الوطنية فتوجد هنالك شخصيات ونخب محدودة تجاهد لانتشال البلد من أزماته من خلال عمل سياسي قانوني قادر وفاعل رغم كل محاولات وأزمات التعطيل.

الرسالة الأهم التي أوصلها محتجوا العراق خلال الأيام الماضية هي أن هنالك ما يستحق الحياة، وأن حركة التغيير حتى وإن انكفأت أو تعثرت لبعض الوقت، إلا أنها ماضية نحو التحقق، برغم حالات القمع غير المنطقي التي تمارس ضدهم، لأن الفاسدين شعروا بأنهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة، وأن التغيير مقبل إليهم لا محالة، لأن المطالب قد تنكفئ بعض الشيء لكنها لن تموت.

التغيير في العراق لا يجب أن يكون عبر العنف وهدم أسس الدولة وزعزعة النظام العام، كما أن التغيير لا يكون بانقلاب عسكري ولا بتدخل أطراف وسفارات دول أجنبية، بقدر ما يحتاج إذعان وتراجع القوى السياسية الحالية عن المشهد لإفساح المجال لإسهام الشباب والمستقلين في صنع السياسات العامة للبلد. وهذا يتم عبر الآتي:

1- تغيير وتوحيد النظام الانتخابي في العراق لمجلس النواب ومجالس المحافظات والأقضية وتحويله من التمثيل النسبي إلى نظام أعلى الأصوات أو النظام المختلط ذو الدوائر المتعددة ويستحسن أن يكون لكل محافظة دوائر انتخابية متعددة حسب عدد المقاعد المخصصة لها.

2- تعديل قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ووضع آليات اختيار مجلس المفوضين ومدراء المكاتب وغيرهم بما يضمن استقلاليتهم عبر إشراك القطاعات المختلفة في ترشيح شخصيات مهنية مستقلة كفوءة بشكل دوري. وأيضا منح المفوضية صلاحيات إنفاذ القانون بحق المخالفين للسلوك الانتخابي ومعالجة الخروقات الانتخابية.

3- تعديل قانون الأحزاب السياسية لوضع آليات قانونية صارمة لضبط التعددية الحزبية مع تشديد آلية تسجيل الأحزاب ووضع عقوبات وغرامات على أي مخالفات يقوم بها الحزب من حيث التأسيس والعمل والتمويل والدعاية، مع إيجاد ضمانات وتسهيلات للكيانات الشبابية والفردية وتمويلها حكوميا لضمان وصول القوى المستقلة إلى السلطة لضمان عدالة التمثيل والمشاركة.

4- إدارة حوار وطني بين ممثلي شرائح المواطنين والفاعلين الاجتماعيين والسياسيين ممن لم تطالهم اتهامات وشبهات الفساد لوضع بدائل وآليات إدارة ملف الانتخابات لتأسيس فعل سياسي وأسلوب حكم جديد.

5- إذا لم تنجح مخرجات هذا الحوار على أرض الواقع بعد تطبيق الإصلاح الانتخابي كمدخل للتغيير السياسي يصار إلى حوار أوسع وأشمل يتضمن تعديل الدستور وتغيير النظام السياسي وتجريب صيغ حكم جديدة (كالنظام الرئاسي أو الشبه الرئاسي)، قد تكون قادرة على إدارة أزمات العراق التي يتفق أغلب المختصون والمراقبون على أنها أزمات ناتجة بالأساس من سوء أداء الطبقة السياسية إضافة إلى عوامل خارجية ومحلية.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2019 Ⓒ

 

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات