قضايا دولية

التنمية الشاملة.. تهيئة المتطلبات ومواجهة التحديّات

   التنمية الشاملة هي عملية واسعة يتم من خلالها تحديد جميع مكامن الضعف في الدولة، في الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كافة، من أجل معالجتها والعمل على تقويتها وتنميتها وتطويرها، كما تسعى التنمية الشاملة إلى تفجير الطاقات الكامنة لدى الأفراد بفتح أفق الإبداع والابتكار أمامهم، وسُميّت بالتنمية الشاملة نظراً لتركيزها على جميع جوانب حياة الأفراد والمجتمع في الدولة.

ويمكن القول، أن التنمية الشاملة هي عبارة عن عملية مخطط لها ذات بعد إداري تهدف إلى إيجاد مجموعة من التحوّلات الهيكلية وذلك بتوجيه جهود الأفراد الواعية وتسخيرها من خلال تحفيز الطاقة الإنتاجية لديهم، وتتولى الحكومة تنفيذ هذه العملية بالتعاون مع الأفراد والمؤسسات العامة والخاصة.

أهداف التنمية الشاملة

  تهدف التنمية الشاملة إلى تحقيق مجموعة أهداف في قطاعات متعددة، ففي القطاع الاقتصادي تأتي التنمية الشاملة للتخلص من الفقر ومعالجته، والتخلص من البطالة بتوفير فرص العمل، كما تهتم بضرورة تحقيق العدالة والمساواة في توزيع الثروة القومية، وتسعى التنمية الشاملة لزيادة الإنتاج، ورفع مستوى المعيشة، وذلك بإيجاد الحلول المناسبة لزيادة الاستثمارات وضمان حق المواطن في الحصول على حياة كريمة، وعلى الصعيد الاجتماعي تحاول التنمية الشاملة تنمية العنصر البشري وزيادة قدراته ومهاراته وتحقيق الرفاهية، وزيادة الوعي والثقافة لدى المواطنين، ومحو الأمية، وذلك بنشر المعرفة، والحرص على زيادة الخبراء والعلماء وأصحاب الكفاءات، أمّا على الصعيد السياسي فتهدف التنمية الشاملة إلى المحافظة على كيان الدولة، وزيادة قوتها والحفاظ على استقلاليتها، وذلك حتى تكون قادرة على مواجهة كافة التحديات سواء كانت على الصعيد الداخلي أو الخارجي، بالإضافة إلى منح الأفراد حقوقهم في التعبير عن الرأي وتمكينهم من المشاركة في صنع القرار.

سبل تحقيق التنمية الشاملة:

أولا: على مستوى الفرد والمجتمع: يتوجب العمل على الآتي:

أ- ضمان التربية والتنشئة الاجتماعية السليمة على مستوى الأسرة، المدرسة، الإعلام، بما يتوافق مع القيم الأصيلة التي تخدم الفرد والمجتمع.

ب- رفع المستوى العلمي والمعرفي لأفراد المجتمع.

ج- ترسيخ قيم وروح المواطنة لدى أبناء المجتمع.

د- تشجيع ودعم المبادرات الفردية المنتجة والنافعة، فضلا عن الاهتمام بالعمل الجماعي والتحفيز عليه.

ثانيا: على مستوى المؤسسات: يتطلب السعي لتحقيق ما يأتي:

أ- إصلاح النظام السياسي العام واستكمال بناء مؤسسات الدولة الدستورية والقانونية ليكون مقدمة لإصلاح الأنظمة الأخرى.

ب- إقامة أسس دولة القانون (منظومة قانونية حديثة تسهم في خلق بيئة مناسبة لتحقيق التنمية الشاملة، سيادة القانون، فصل السلطات، استقلالية القضاء..).

ج- وضع السياسات العامة بإتقان والعمل على تنفيذها بدقة وبأساليب ناجحة.

د- تنمية الكفاءات وبناء قدرات موظفي الدولة و تأهيل الموارد البشرية في جميع القطاعات.

حققت بلدان كثيرة تقدما كبيرا في مجال التنمية الشاملة، إذ تفوقت فـي إنجازاتها، ولـم تكتف برفع مسـتوى الدخل القومي فحسب، بل حققت تحسنا في الأداء في المؤشـرات الاجتماعية كالصحة والتعليم والخدمات العامة وحقوق الإنسان، ومن البلدان الكبيرة التي تفوقت في أدائها عن طريق اعتماد أسس تنمية شاملة البرازيل والصين والهند، إضافة إلى بلدان أخرى صغيرة مثل إندونيسيا وأوغندا وتايلند وتركيا وشيلي وغانا وفيتنام وكوريا الجنوبية وماليزيا والمكسيك.

أهم متطلبات تحقيق التنمية الشاملة

1- توافر الإرادة السياسية على تحقيق التنمية الشاملة، لدى الحكومة سواء لدى القادة أو من يشترك معهم في إدارة الدولة وتسيير شؤونها، لأن الإرادة السياسية هي الحافز والدافع الأساسي باتجاه العمل الجاد نحو تغيير الواقع السيئ إلى آخر مزدهر، فبدون الإرادة والعزم والتصميم لا يمكن تحقيق النجاح المطلوب.

2- وضع خطة: يجب أن تقوم الحكومة بوضع خطة للتنمية تستند إلى إستراتيجية واقعية وقابلة للتحقيق وتأخذ بنظر الاعتبار قدرات الدولة المتاحة من موارد مالية وبشرية، وأن تكون الخطة شاملة لجميع مناحي الحياة وليست القضايا ذات الأولية فقط، وأن يكون تنفيذها محدد بمواعيد وجداول تفصيلية، وأي تخطيط إستراتيجي للمستقبل لابد أن يكون راصداً لكل الصعوبات والتحديات التي تواجه هذه الخطة. وإذا كانت الخطة طويلة الأمد فيجب أن تراعي ما قد يحدث من تغيير على مستوى السياسات والحكومات خاصة إذا كان الدستور يؤمن بفكرة تداول السلطة.

ولا بد أن تكون الخطة ملبية لحاجات حقيقية للمجتمع وليس مجرد شعارات، وأي خطة تتجاهل التحديات القائمة وكيفية التصدي له بخطط تفصيلية وببدائل ناجحة، سيكون مصيرها الفشل.

والخطة التي تتجاهل الحريات العامة وحقوق الإنسان بمفهومها الشامل السياسي والمدني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي تكون خطة غير مكتملة الأركان لأن التنمية الاقتصادية لا تتم في مجتمع مغلق ومقيد ويفتقد للحريات الأساسية.

فالعدالة الاجتماعية والقضاء علي الفقر والمرض والجهل لن تتم إلا بإطلاق وحماية الحريات وحقوق الإنسان وتمكين المواطنين وخاصة الفئات الأكثر ضعفا من ممارسة حقوقهم، ونجاح أي خطة مرهون بقدرة القائمين على تنفيذها من المسئولين والموظفين في الدولة ومدى إيمانهم بأهمية تنفيذها وإخلاصهم في العمل.

3- ضمان توفير رأس المال الكافي لتمويل جميع نشاطات وعمليات تحقيق التنمية، فبلا ميزانية وتمويل ستبقى خطة التنمية حبرا على ورق ومن الاستحالة أن ترى النور، بالإضافة إلى رأس المال يجب توافر الموارد البشرية من كفاءات وأيدي عاملة ماهرة تنهض بالمسؤولية وتتبنى القيام بالمهام التنموية بنجاح.

4- مجتمع مدني حقيقي فاعل ومؤثر وقادر على متابعة وتقييم أداء الحكومة التنفيذية بل والمساهمة معها في تحقيق التنمية الشاملة، مجتمع مدني له القدرة علي توعية المواطنين بحقوقهم وكيفية المشاركة في عمليات التقييم الدورية للخطة التنموية وتحقيق مبدأ المساءلة الاجتماعية لجميع الأطراف المشاركة في تنفيذها.

5- قطاع خاص وطني وقوي يتمتع باستقلالية مالية ويعمل من أجل تحقيق مصالح الدولة والشعب وليس قطاعاً خاصاً انتهازياً لا يهمه سوى الربح فقط.. فأي خطة تنميه لا يتحقق لها النجاح إلا إذا كان القطاع الخاص يؤمن بمسئوليته الاجتماعية عن تنمية المجتمع الذي يعمل فيه. والمشاركة في مشاريع تنموية حقيقية.

6- توافر الدعم الدولي غير المشروط من الدول والمنظمات الدولية، لأن غياب هذا الدعم ربما يزيد من التحديات التي قد تعرقل عملية التنمية الشاملة وذلك بسبب تشابك وتداخل المصالح الدولية وخصوصا في مجال التجارة وحركة رأس المال والتخطيط الاقتصادي، ومن شأن هذا الدعم الدولي أن يمهد لحالة من الاستقرار السياسي والاقتصادي للدولة المخططة للتنمية الشاملة وبالخصوص عندما لا يكون هذا الدعم مشروطا ويضمن احترام الاستقلال السياسي وعدم تدخل الدول والمنظمات الداعمة في الشؤون الداخلية للدولة الساعية نحو التنمية.

7- يرى البعض أن صعوبة تحقيق التنمية الشاملة على دفعة واحدة يتطلب تجزئتها من خلال البدء بتنمية القطاعات من الأهم إلى المهم وبشكل متتابع وصولا إلى تنمية جميع القطاعات، وذلك لصعوبة توافر رأس المال والموارد الأخرى اللازمة لتحقيق التنمية في جميع القطاعات في آن واحد.

وختام القول، أن غياب التنمية الشاملة وخصوصا في بعديها الاجتماعي والاقتصادي يؤدي إلى ضعف وأحيانا فشل عملية بناء الدولة ويسهم في تكريس المشكلات بشكل عام ويضعف علاقة الحكومة بالمواطن وتسود الكثير من السلوكيات المتمردة على الواقع، ويفقد القانون هيبته واحترامه بين المواطنين.

إن غياب التنمية يسهم في استمرار معاناة المواطنين من الفقر والتخلف وانعدام الخدمات وهذا يقضي على الشعور بالمواطنة لدى الفرد الذي يبدأ بالإحساس بالغربة في وطنه لأنه لا يكتمل مفهوم المواطنة على الصعيد الواقعي، إلا بإنشاء دولة الإنسان، تلك الدولة التي تضمن للإنسان وسائل العيش الكريم من أمن وخدمات ورفاهية وحرية.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2019 Ⓒ

 

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات