من أين يبدأ الإصلاح في العراق؟ من أين تبدأ عملية البناء أو إعادة البناء؟ من أين يبدأ النهوض بالدولة؟ هذه أسئلة لا نطرحها على حكومة السيد عادل عبد المهدي بل على جميع الحكومات التي سبقتها والتي تعاقبت على حكم البلد منذ عام ٢٠٠٣ إلى الآن.

برزت مجموعة هائلة من الأعطاب ومظاهر الخلل التي عصفت بالحياة السياسية العراقية بعد عام ٢٠٠٣، بدءاً بالدستور وطبيعة النظام السياسي الذي أفرز سياق المحاصصة وتشريع قوانين انتخابية لا تعبر عن الواقع، وأيضا التدافع والتكالب على السلطة واقتصار أنشطة الساسة والأحزاب على مراهنات وتحركات انتخابية محدودة  تعمل وفق منطق الترضيات والتزكيات والبحث عن الامتيازات والمناصب والمواقع، وفق معايير بعيدة عن الكفاءة والخبرة، إضافة إلى عدم انتهاجها لعمل سياسي مجتمعي وثقافي مستمر ومتواصل الحضور والتأثير، إضافة إلى غياب المعارضة الحزبية والنقابية المتماسكة الأهداف والمواقف، وأن حضرت مؤخرا وهذا مؤشر ايجابي لكن تبقى معايير ممارسة ثقافة المعارضة البناءة غير مضمونة التأثير، والموجودة الآن معارضة ناصحة لا تمتلك عمقا سياسيا مؤثرا.

كل هذه الاختلالات المعيقة لبناء الدولة وإصلاح أعطابها مرتبطة بمسارين:

الأول: أزمة وجود وصناعة القيادات والنخب القادرة على البناء والإصلاح والإدارة.

الثاني: أزمة وجود المشروع الوطني العراقي القادر على تحقيق تطلعات كل العراقيين، والثاني مرتبط بالأول.

لم تتم مناقشة أزمة صناعة القيادات في العراق وتحميلها المسؤولية لكل هذه الإخفاقات والانتكاسات الحاصلة لأنها الماسكة والمهيمنة على الفعل السياسي والاجتماعي العام، وعملت هذه القيادات التي لا تتصف بالعقلية السياسية الإدارية الناجزة، على مجابهة كل محاولات التجديد وصعود النخب الكفوءة، مما أدى إلى التآكل التنظيمي والبنيوي للأحزاب وبقية البنى التي تتواجد فيها سواء كانت دينية أو قبلية أو ثقافية..

وعملت على التشبث بالهياكل السياسية والاجتماعية والثقافية، ولهذا انحسرت تطلعاتها في دائرة التمسك الشديد بمصالح وامتيازات الوصول إلى مواقع النفوذ والقرار والسلطة والزبائنية للخارج، مما جرها إلى السكوت عن مظاهر الفساد المالي والسياسي أو ممارسته.

قادة ونخب العراق السياسية والاجتماعية بفعل هذه السلوكيات المتراجعة التي أفرزتها مظاهر الفقر والبطالة وتراجع مقومات النزاهة والمصداقية والهشاشة الاجتماعية، أسهمت في وضع العراق على سكة الدول المتخلفة رغم ثرواته ومظاهر التحول الديمقراطي التي لامسها بعد سقوط النظام الاستبدادي السابق، كما أسهمت في رسم صورة سلبية على العموم  في الوعي المجتمعي العام عن السياسة وكل ما يتصل بها، بحيث بات من يترشح إلى الانتخابات وإن كان مستقلا يصبح موضع شبهة واتهام بالفساد المبكر والتبعية والذيلية..

وهذا أحيانا تثبته الممارسة فحتى من يعقد الأمل عليه بان يكون من ضمن طراز القادة أو الساسة الذين يتأمل فيهم أن يكونوا بعيدين عن المحسوبية والفساد قد وقعوا في الفخ السياسي، وتناسى بعضهم تأريخه وذاكرته النضالية وتضحياته الوطنية ووعوده الانتخابية، ليثبت للمواطنين أن مبررات تصديه لم تكن إلا مسألة تتعلق بالوصول إلى السلطة والاستئثار بمنافعها وغنائمها في مقابل مغادرة الفئات الشعبية الفقيرة ومحاصرة حتى الطبقة الوسطى التي كان ينتمي إليها.

كل هذه المؤشرات، عملت على تحريك مشاعر الإحباط واليأس لدى المواطنين، وبالتالي عملت أزمة القيادة القادرة على التصدي والتأثير على تعزيز مظاهر العزوف عن المشاركة السياسية في الاستحقاقات الانتخابية والتفاعل السياسي الايجابي في العملية السياسية.

حتى على مستوى القيادات الاجتماعية فلدينا أزمة في تأثير هذه القيادات بالحياة السياسية، فهذه القيادات ومنها دينية وقبلية، إما أن تعيش حالة من التباعد بينها وبين السياسي مما يسهم في تعاظم مساحة هذا السياسي لعدم وجود الضغط والرقابة لهؤلاء الفاعلين الاجتماعيين، أو أنها تعيش أزمة اندماج مع السياسي مبنية على التآلف والاعتماد المتبادل والتخادم في المصالح والمواقف الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وهكذا تكون هذه القيادات الاجتماعية متهمة كذلك لاحتضانها السياسي الفاشل أو الضعيف وعدم ممارسة أدوراها في النقد للتوجهات والسلوكيات المشبوهة والمحبطة.

وحتى القيادات الثقافية والمدنية التي تمتلك مكانة وقيمة رمزية من خلال تفاعلها مع الثقافة والمعرفة فأنها إما إكتفت على أن تكون فاعلة ومؤثرة في الحقل السياسي، أو أكتفت فقط بمكانة ودور المحلل والخبير السياسي والإعلامي والفنان والأديب والناشط المدني.. ضمن محدودية واستقلالية نسبية، أو أنها في الغالب التحقت بالعمل الحزبي والسياسي لتبحث عن مواقع مصلحية وأدوار سياسية، كما تبنت توجهات من أجل الدفاع عن القادة السياسيين وأفكارهم ومواقفهم وقيمهم، بدل من أن يكون هو العكس، أي أن القائد السياسي هو من يجب عليه أن يقترب ويدافع ويتبنى أفكار عالم الثقافة والمثقفين واحتضان قادتهم وتطبيق أو الاستفادة من مواقفهم الفكرية وعمقها الاجتماعي والرمزي.

مع إننا لا ننسى وجود أصوات لكنها ضئيلة، ثقافية واجتماعية مختلفة لا زالت تناضل من أجل أن تستعيد السياسة والثقافة والمدنية والدين ما يفترض أن يكون لها من بريق وجاذبية وتأثير في السلوك السياسي، وتحتاج إلى تسليط إعلامي ودعم وتوسيع مواقفها لتأخذ أدورها الفاعلة.

إذا كانت القيادات تعاني من أزمات فلابد من صناعة قيادات جديدة تستطيع أن تنجز مشروعا وطنيا قادرا على تحقيق إصلاح شامل ومتكامل للحقل السياسي الوطني، إصلاح ثقافة وفكر وسلوك سياسي وهياكل ومؤسسات وقوانين وأطر إرشادية موجهة لبناء الدولة بشكل سليم، حتى تتم إعادة الإعتبار والثقة بالسياسة من قبل المجتمع، والسياسة لن تصبح هكذا إلا عندما تكون ولادة للحافزية والحلول والبدائل والقدرة على خلق الطموح والتغيير ووضع مسلمات لمستقبل واعد.

ولهذا فأن جل ما يطرح من مشاريع وبرامج حزبية وحكومية وحتى بيانات ومواقف واستفتاءات واحتجاجات، تواجه اعطاب ومعوقات التطبيق والنجاح؛ لأنها لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار متكامل تعمل على إحلاله قادة ونخب المجتمع والدولة، وطالما هذه القيادة تعاني من أزمات -ذكرناها سابقا- فأنها لن تكون واعية لأي ايجابية يمتلكها النظام السياسي، إذن من دون بلورة إرادة سياسية واجتماعية وثقافية قوية مدركة للإصلاح والتغيير والتجديد مستوعبة لحجم المسؤولية قادرة على النقد الذاتي لضعفها، قاطعة لكل قيم الفساد والمحسوبية والممارسات التقليدية المتآكلة فسوف لن تنتج مشروع وازن مستوعب لقيم المجتمع وخصوصياته ومقوماته الإنسانية.

فمن شروط أي مشروع وطني وجود نخب وقيادات قوية حازمة وشجاعة حاملة لفكرة الإصلاح والتجديد تعمل على تأسيس مشروع وطني ومؤسسات قادرة على بناء فضاء سياسي جديد يدار بأُسس وقواعد تنتقل من الانغلاق والتراجع إلى الانفتاح والتقدم.

الفرص متاحة لتقديم مشروع وطني عراقي ديمقراطي إلا أن القيادات العراقية غير متفقة على قواعد وثوابت هذا المشروع، فبعضهم لا يعترف بأن العراق أمة بل جزء من أمة أخرى والبعض الآخر يعتبره تجمع لأثنيات وطوائف لا رابط بينها، كما أن القادة غير متفقين على أولويات البلد والمخاطر والتحديات التي تواجهه ومن هو الصديق والعدو، وفي كل أزمة ومواجهة ننصدم بالعجز عن تجاوزها بشكل موحد فأما يتم نسيانها أو توظف للمضاربة السياسية، والخلافات تسربت حتى إلى القضايا الرمزية فمنذ أكثر من ١٦ عام فشلت القيادات في الاتفاق على علم جديد للعراق وفشلت في الاتفاق على نشيد وطني جديد، فما زال الشعب يردد نشيدا وطنيا غير عراقي، والمواطن لا يشعر بالوحدة إلا وفق منطق الشعارات.

وفق كل ذلك، لابد من تحمل المسؤولية من قبل القادة والزعماء الكبار سياسيا واجتماعيا وثقافيا والتفكير بمصالح البلاد والعباد لا بمكاسبهم الخاصة فقط. وهذا يتطلب الآتي:

1- حلال قوى وقيادات وطنية جديدة على رأس السلطات الثلاث إضافة إلى توسيع التأثير الايجابي للفاعلين الاجتماعيين دينيا وقبليا وثقافيا في الحقل السياسي العام.

2- رد الاعتبار للمواطن العراقي وإلغاء التفكير بنمط المكونات بل بنمط الهوية الوطنية مع احترام الخصوصيات الثقافية لهم.

3- الطي النهائي لملف الفساد السياسي والمحاصصة والدخول بتجربة الكفاءة والخبرة والنزاهة في تولي المواقع ووضع آليات لمنع تكرار ما حصل سابقا.

4- العمل على تأسيس أسلوب جديد للحكم والتدبير واستثمار دائرة الفرص الضائعة لإنجاز التحول الديمقراطي، وهذا يحتاج ضغط شعبي فالمواطن يتحمل جزء كبير من هذه الإخفاقات بتجديده وولاءه لهذه النخب والقيادات رغم غضبه عليها أحيانا، وهذا يحتاج إلى التحرر من ضغط انتمائه السياسي أو المذهبي في اختيار وصناعة قاداته وإتباعها.

5- سؤال المرجعية الدينية لتقديم وتحويل المناصحات والبيانات المقومة لقواعد القوى السياسية وعملها إلى حركات ضاغطة منظمة من أجل التصحيح والإصلاح، فالمرجعية رغم احتياطها في التعبير عن المواقف السياسية بشكل مباشر إلا أنها تُعد القوة الرافعة الأساسية لتحقيق المشروع الوطني العراقي

هذه المطالب بدأت تتسع أمام القيادات الحالية، والأخيرة تعمل على الاستمرار والتكيف في كيفية تجنب سيناريو التغيير والإصلاح والتجديد، لكن هذا لن يستمر إلى مدد زمنية طويلة، لأنه يعمل على استبعاد الحلول السلمية وتقوية الخيارات الراديكالية العنيفة لإحلال التغيير والإصلاح المطلوب.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2019 Ⓒ

 

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات