شهد تنظيم داعش أحد أبرز التنظيمات الجهادية عنفاً وإجراماً في العصر الحديث تداعيات عديدة منذ هزيمته في العراق في ديسمبر من العام 2017 بعد سيطرة القوات العراقية على معظم الأراضي العراقية والحدود مع سوريا وهزيمته من قبل الجارة سوريا، لتؤكد الدولتين نهاية الحرب العسكرية ضد تنظيم داعش الإرهابي، بالإضافة إلى عامل آخر يضاف إلى عامل الحسم العسكري، هو عامل الصراع الداخلي بين أعضاء التنظيم إذ رافق ظهورُ تنظيم داعش الكثير من الخلافات داخل الجماعة أدت إلى انقسامها لفريقين يتبادلان التكفير والنزاع والتخوين، ولولا جهود القوات العراقية والتحالف الدولي لربما سمعنا من أنهم يتقاتلون فيما بينهم في محافظة الموصل عاصمة التنظيم المزعومة.

ومع هذه الهزيمة التي عبرت عن حجم الأزمات التي تعيشها التنظيمات الجهادية على مستوى الفكر والممارسة في ظل مواقفها الرافضة للحياة والحضارة والحداثة والرأي الآخر والتعايش، والتداول السلمي للسلطة وبالتالي انطوت مرحلة التمكين وهي المرحلة التي أعلن فيها التنظيم عن ظهوره رسمياً، وفرض إرادته على الناس بعد أن سيطر على مناطق جغرافية من العراق وسوريا، وبذلك تمكن داعش من إعلان سلطانه فيها، وبعد الهزيمة المذلة للتنظيم يبدو أن تنظيم داعش انتقل إلى مرحلة الاختفاء، والانتقال من مرحلة الدولة الموحدة إلى التنظيم الشبكي.

يشير خبراء في شؤون التنظيمات السلفية إلى أن تنظيم داعش في مرحلة المد الأميبي، ويعني أن يقوم التنظيم بعمليات فردية لا ترتبط بالهيكليات العليا والإدارات الفقهية والشرعية، حيث يغيب عنها المفتي، إلا أنهم يعملون بأسلوب التواصل عن بعد، بمعنى أن هناك تحكماً عن بُعد بهذه الأمور، يتم اهتداؤها بشخص واحد يقوم بإلقاء إيعازات وأوامر في أماكن محددة لا يلتقي بهم ولا يلتقون به، إلا أنهم يتواصلون عبر أنظمة معقدة جدا، وهذا ما تكشف عنه بعض العمليات الانتحارية هنا وهناك، وظهور زعيم داعش المدعو أبو بكر البغدادي على قلّتها، حيث تشير التقارير إلى أن البغدادي يعيش حالة التوجس والتخفي الكامل كحالة مقاربة لحياة أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة بعد محاصرته في أفغانستان، وفي ضوء ما تقدم يمكن قراءة سياسة تنظيم داعش الجديدة منذ هزيمته في العراق وسوريا بالآتي:

أولاً: من القيادة الموحدة إلى الانتشار الشبكي لتعويض الهزيمة

يذهب عدد من الباحثين إلى أن تنظيم داعش بعد هزيمته في العراق وسوريا سيغير تكتيكهُ من قيادة الدولة الواحدة بمركزية زعيمها أبو بكر البغدادي إلى اعتماد اللامركزية في عملياته ودون الرجوع إلى قيادته التنظيمية التقليدية، وبالتالي يقطع نهج التنظيم الواحدي الرأس، والمتمركز حول الخلافة وما يُسمى (الدولة الموحدة)، ووجوب الهجرة للعيش تحت راية الخليفة الواحد، ويتجه إلى بناء تنظيم شبكي يقوم على الإيديولوجية الدينية القتالية، تقوده قيادة تقر وتضمن البيعة عن بعد للبغدادي.

وفي الوقت ذاته تتمتع، بإعتبارها فروعاً عالمية، بالاستقلالية في تحديد الأهداف، وفقاً للسياق والظروف المحلية. ويأتي هذا التحول لأسباب كثيرة منها: هزيمة التنظيم، وضعف التواصل بين أعضاءه، وقلة التمويل المالي لاسيما بعد أن خسر التنظيم جل اقتصاديته النفطية والمالية والأتوات التي كان يستحصلها أثناء سيطرته على الموصل والرقة فضلا عن محاصرة التنظيم مخابراتيا ومراقبة أدواته الإلكترونية، ولكن مسألة تغيير تنظيم داعش من المركزية إلى الشبكية لا تعد وليدة اليوم فهو تكتيك أستخدمه التنظيم منذ إعلان تأسيسه وقيام خلافته المزعومة بمعنى أنه كان يتبنى أي عملية أو هجوم إرهابي يستهدف المدنيين أو المؤسسات أو القوى النظامية، في حين أن الهجوم يمثله طرف أو شخص آخر قد لا يكون عضواً في التنظيم ليعلن تنظيم داعش مباشرة عن مسؤوليته عنه لإثبات حجم نفوذه بين المسلمين، وقدرته العسكرية، والتعبير عن وحشيته ودمويته، ورواج إيديولوجيته بين الشباب والمراهنة على قوة قنواته في التجنيد.

من هنا، فأن هذا التحول محاولة من تنظيم داعش في إثبات وجوده ومحاولة التقليل من هزيمته التي بدأت واضحة في خطاب زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي في تصوير مسجل ظهر في يوم 23 مارس من 2019 والذي بدأ فيه البغدادي تقليد مشايخ تنظيم القاعدة كأسامة بن لادن، رغم الخلاف والاقتتال بين الطرفين على السلطة والنفوذ في العراق وسوريا في وقت سابق، حيث ظهر البغدادي بصبغ أطراف لحيته بالحناء، أو بجلوسه على الأرض محاطا ببعض أتباعه، مع الحرص على وجود رشّاش كلاشينكوف إلى جانبه، ربما أن البغدادي يريد أن ينطلق إلى مرحلة جديدة عنوانها العمليات الإرهابية في مختلف أنحاء العالم، والعودة إلى نهج تنظيم القاعدة الذي تخلّى عنه، وأراد إقامة دولة الخلافة كنهجٍ بديل.

إلى جانب ذلك، فأن تنظيم داعش شأنه شأن التنظيمات الجهادية كالقاعدة تعول على العامل النفسي والإيديولوجي في جلب الانتباه والتعاطف، وبالتالي كسب المؤيدين والداعمين، وبعيداً عن هذا الرأي فأن القصد من ظهور البغدادي هو أن التنظيم يمر بمرحلة احتضار بعد فقدان السلطة والنفوذ والأموال والحواضن، ومثلت هزيمته انكسار نفسي لدى مؤيديه والمغرر بهم بالشعارات الإيديولوجية والدينية كونه كان يدعي الخلافة كشرعية دينية في تولي السلطة السياسية والدينية.

من هنا يحمل ظهوره الأول جانبين:

الجانب الأول: رسالة إلى حواضنه والبيئات المتطرفة في أكثر من مكان في العراق، واليمن، وسوريا، وليبيا، وأفغانستان، وباكستان، والخليج، وشمال أفريقيا. والجانب الثاني: تمثل برفع الروح المعنوية لعناصره بعد الهزائم التي مني بها، فضلاً عن خاصية اجتماعه هذا لتولي قيادات في داعش مناصب عوضاً عن الذين قتلوا في المعارك في هجوم القوات العراقية والسورية والتحالف الدولي في المناطق التي استباحها في العراق وسوريا.

ثانياً: تراجع البغدادي صعود عبد الله قرداش

كما أشرنا في المحور السابق، إلى أن تنظيم داعش يمر على مستوى التنظيم والقيادات بأزمات تنظيمية، وحالة من التبعثر تضاف إلى خاصية الفوضوية والوحشية التي أتسم بها التنظيم، ولم يعد البغدادي محط اندهاش قيادات التنظيم، من هنا أعلنت وكالة أعماق الناطقة باسم تنظيم داعش قبل أيام أن البغدادي رشح عبد الله قرداش خليفة له لرعاية (أحوال المسلمين) على حد زعمه.

وتشير التقارير إلى أن قرداش هو عراقي من القومية التركمانية من سكنة قضاء تلعفر في الموصل شمال العراق، وكان من أول المباركين والمستقبلين للبغدادي، وكانت تربطه به علاقة صداقه منذ أيام السجن في بوكا في مدينة البصرة في جنوب العراق، درس قرداش في كلية الإمام الأعظم في مدينة الموصل وشغل منصب شرعي عام لتنظيم القاعدة بعد سقوط نظام صدام حسين، ويمتاز بالغلاظة والشدة ونزعة التكفير شأنه في ذلك شأن أغلب قيادات داعش، ومن المعروف في سلوكيات التنظيمات الجهادية أن رأس الهرم -زعيم التنظيم- في الأغلب يعبر عن شرعية دينية وفقهية تتسم بخاصية الإستمرار وبالتالي لا يعزل وينحى إلا في حالة موته أو تنازله عن قيادة التنظيم، كما أن زعيم تنظيم داعش لا يعتبر في إيديولوجيات تنظيم داعش زعيماً للتنظيم وإنما خليفة للمسلمين.

من هنا، فأن قضية إعلانه عن تعيين عبد الله قرداش تحمل الكثير من التكهنات، ومنها: إن البغدادي أراد بهذا التعيين أن يلم البعثرة والتفكك التي شهدها التنظيم من خلال تعيين قرداش هذا إذا افترضنا أن قرداش يحظى بمقبولية جميع قيادات التنظيم، والاحتمال الثاني قد يكون لأسباب شخصية ترجع إلى عدم قدرة البغدادي على مواصلة قيادة ما تبقى من التنظيم لاسيما وأن هناك تقارير ذكرتها خليه الصقور التابعة لوزارة الداخلية العراقية عن إصابة البغدادي إصابة بالغة في الأطراف، مما جعله غير قادر على الحركة بصورة طبيعية، وفي الاحتمال الثالث قد يكون القرار هذا ناجم عن حالة العزلة والتخبط التي يعيشها البغدادي زعيم داعش منذ هزيمة تنظيمه، ويريد أن يهرب من هذا الواقع بتكتيك يشغل الرأي العام والإعلام العالمي ولكن في حقيقته ما هو إلا إجراء ازموي ناجم عن تداعيات ما بعد هزيمة التنظيم.

وفي ضوء ما تقدم، يمكن أن نجمل حالة تنظيم داعش وتداعيات ما بعد الهزيمة بالنقاط الآتية:

1- إن تنظيم داعش من حيث التكتيك والتنظيم يعد من أسوء التنظيمات الجهادية، وهو تعبير عن عصارة تدني وتدهور في سلوكيات وأفكار التنظيمات الجهادية بصورة عامة، لاسيما وأن تنظيم داعش أراد أن يحقق حلم التنظيمات السلفية الجهادية في إقامة الدولة الدينية، أما وأن هذا التنظيم قد فشل في محاكاة الجمهور في مناطق سيطرته بقيم دولته المزعومة، وهزم عسكرياً فأن هذه التجربة (الدولة الدينية) قد تكون آخر التجارب ولا تتكرر في قادم العقود، لأنها أثبتت فشلها في التنظيم وفقدان الشرعية القانونية والدينية، وبعد قيادات داعش وأبرزهم البغدادي على الجانب الإنساني والتعاطي مع قيادة الحداثة والتنوع الديني والإيمان بقيم الحضارة والتقدم.

2- إن التنظيم يعيش مرحلة الاختفاء والمد الأميبي بالإعتماد على العمليات الفردية اللامركزية.

3- هناك أزمات عديدة يمر بها تنظيم داعش بعد هزيمته في العراق وسوريا ومنها: أزمة التمويل، وأزمة الاستقطاب، وأزمة الشرعية، وأزمة القيادة، وانشقاق قيادات التنظيم.

4- إن إعلان البغدادي بتعيين قرداش يعبر عن حالة التخبط والإنعزال التي يعشها البغدادي بصورة خاصة، والتنظيم بصورة عامة ومحاولة جديدة من البغدادي إلى لفت أنظار الرأي العام.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2019 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات