قضايا محلية

السلطة الدينية – الإقطاعية.. إشكالية مبطنة وتحدي في بناء الدولة المدنية

   بعيداً عن التفسيرات التقليدية التي فّسرت مشكلة بناء الدولة العراقية بعد عام 2003، كـ(الطائفية، الإرهاب، الحزبية، المحاصصة بإشكالها المختلفة، الفساد، التدخل الخارجي، الصراع السياسي، القومية، التطرف، غياب المواطنة والهوية) وغيرها من المسببات، التي تعد من معوقات بناء الدولة العراقية بعد عام 2003.

ما أريد طرحه في هذا المقال، مختلف عن ما سبق، وربما يدخلنا في دائرة الحظر، فالكتاب والمفكرين والفلاسفة عبر التاريخ يتخوفون من الخوض في غمار المحظورات؛ خوفاً من تهم الزندقة والهرطقة والكفر والموت، وإن أكثرنا اليوم يتخوف من تهم لا تختلف كثيراً عن تلك التهم التي كانت تُحاكم الفلاسفة آنذاك. وربما ينتقدنا البعض بسبب عنوان المقال؛ لأن الحديث عن الإقطاع والرق، حديث انتهى وعفى عليه الزمن، لكن ما أريد أن اسرده في هذا المقال، هو إقطاع السلطة الدينية وليس الإقطاع بمفهومه التقليدي، فهناك تزاوج بين السلطتين (سلطة الإقطاع وسلطة الدين) اللتان اختزلتا بسلطة واحدة في الوقت الحاضر، حتى أصبحت السلطة الدينية تمارس سلطتها كمؤسسة دينية وسلطتها كسلطة إقطاعية، بغطاء السلطة الأولى.

  إن الحديث عن كلا السلطتين، يرجعنا إلى القاموس السياسي للمفكر الإيطالي (نيكولو مكيافيلي 1469 - 1527) وكتابه الأمير الذي تناول فيه (سلطة الكنيسة وسلطة الإقطاع) ودورهما في بناء الدولة الإيطالية في العصور الوسطى. فجميع المختصين في العلوم السياسية وأغلب العلوم الاجتماعية يعرفون حجم المخاطر والتفكك السياسي والعسكري التي كانت تعاني منه الدولة الإيطالية في تلك القرون، وأن تشخيص مكيافيلي لهذه التحديات كانت تحدي كبير بحد ذاته، فمكيافيلي رأى آنذاك، بأن مشكلة الدولة الإيطالية تكمن في تحديين أساسيين وهما: (سلطة الكنسية وسلطة الإقطاع)، بغض النظر عن التحديات الأخرى. أي بمعنى أن التحديات الأساسية التي تقف في وجه بناء الدولة الإيطالية آنذاك تكمن في سلطتي (الدين والإقطاع) على الرغم من أن الأخيرة كانت تحت غطاء الأولى.

  إن تشخيص مكيافيلي لهذه التحديات وضعه أمام سلطة الكنيسة ورجال الإقطاع، إلا أنه استطاع أن يمضي في طروحاته لبناء الدولة الإيطالية التي كانت تعاني من إنقسام وتدخل سياسي كبير.

وعلى الرغم من البون التاريخي الشاسع الذي يفصل بين تلك الفترة التي عاشها مكيافيلي وبين ما نعيشه اليوم في بدايات القرن الحادي والعشرين، إلا أن الرجوع إلى طروحات مكيافيلي السياسية، تعطينا تصور واضح لفلسفة بناء الدولة المعاصرة بشكل عام، وتساهم بشكل وافر في حل مشاكلها السياسية، لاسيما تلك التحديات التي تتعلق بهوية الدولة بشكل عام، هل هي دولة مدنية أم دولة دينية، وإذا كانت مدنية كيف لنا أن نساهم في إزالة التعارض أو التصادم بين السلطة الدينية والسلطة المدنية في إدارة الدولة وفلسفتها بشكل عام؟.

أعتقد أن الإدراك الواضح غير المؤدلج يعطينا تصور واضح حول طبيعة توظيف تلك التحديات في صالح بناء الدولة العراقية المعاصرة. فالدولة العراقية على مدار تاريخها ومنذ بداياتها الأولى في عشرينيات القرن الماضي كانت تعاني من مشاكل في بنائها الداخلي على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وقد استمرت تلك المشاكل ما بعد 2003، بعد الإطاحة بالنظام السياسي العراقي السابق. وعلى الرغم من أن شكل الدولة ونظامها السياسي تغير من دولة شمولية ونظام ديكتاتوري إلى دولة اتحادية ذات نظام ديمقراطي (برلماني)، إلا أن هذا التغيير بُني على فلسفة خاطئة في الكثير من جوانبه، وهنا لسنا بصدد عرض تلك الأخطاء أو الهفوات السياسية والقانونية (المتعمدة وغير المتعمدة) التي وقعت فيها القوى والأحزاب السياسية العراقية، فضلاً عن الأخطاء السياسية التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية في بناء العملية السياسية في العراق بعد الإطاحة بنظام صدام، بقدر ما نريد أن نقف على مشكلة كبيرة وأساسية في بناء الدولة.

فمعظم الأحزاب والقوى السياسية العراقية التي حكمت البلد بعد عام 2003 على الصعيد التشريعي والتنفيذي، هي أحزاب وقوى سياسية دينية، لا تمتلك صورة واضحة عن هوية الدولة.

وعلى الرغم من أن الدستور قد حدد هوية الدولة وشكلها ونوع الحكم فيها، ونظم عمل السلطات والمبدأ الحاكم في العلاقة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية اعتمادا على نوع الحكم، فضلا عن حماية الحقوق والحريات للمواطنين كافة، وضمن الحفاظ على الهوية الإسلامية، بعيداً عن السلطة الدينية، إلا أن الأخيرة كانت قوية وفاعلية في مختلف محطات عراق ما بعد 2003، فكل الانتخابات التشريعية والمحلية التي جرت في العراق كانت فيها السلطة الدينية قوية وفاعلة بشكل أو بآخر، وكان لمراجع الدين قبلة وبوصلة تتوجه لها الأحزاب في كل صغيرة وكبيرة، سواء في الانتخابات أو في وقت الأزمات، فضلاً عن سلوك الإسلام السياسي خلال الفترة المنصرمة. إن المرجعية الدينية بمختلف أشكالها وانتماءاتها قد أكدت على مدنية الدولة، إلا أن السلوك السياسي العراقي بشكل عام وسلوك الإسلام السياسي بشكل خاص، ومحاولات زج المؤسسة الدينية (بإرادتها أو بغير إرادتها، بقصد أو بدون قصد) قد أسهم في تغييب مدنية الدولة وأعطى انطباع للرأي العام، بأن السلطة الدينية وتدخلها السياسي في الدولة العراقية، هي الفاعل الرئيس والكبير في العملية السياسية.

وهناك مؤشرات كبيرة وواضحة ساهمت في تشكيل ذلك الانطباع، لاسيما في ما يتعلق بحجم السلطة الدينية التي افرزها الواقع السياسي بعد عام 2003، وتحكمها بالمال والثروة الكبيرين من خلال ما تجنيه من إدارة للسياحة الدينية في البلد؛ الأمر الذي جعل منها سلطة دينية وإقطاعية بنفس الوقت، على غرار سلطة الكنيسة وتحكمها في المال العام في العصور الأولى والوسطى، أو تلك التي أشار إليها مكيافيلي في كتابه الأمير.

فالسلطة الدينية كانت على مدار التاريخ في صراع ضد السلطة المدنية (سلطة الدولة) وحاولت أن تخضع السلطة المدنية إلى قرارها النازل من السماء، ولطالما كان ذلك الصراع محور الصدام بين السلطتين على مدار التاريخ، فأن السلطة الدينية لا تريد لسلطتها أن تختص بالجوانب الفردية والاجتماعية فقط، وإنما تريد فرض هيمنتها بشكل أو بآخر؛ حفاظاً على مصالحها الفردية والاجتماعية كـ(مؤسسة) من الانزواء، وتريد لها أن تكون سلطة قوية وفاعلة إلى جانب سلطة الدولة.

  إن حصر المؤسسة الدينية بالجوانب الشرعية والحفاظ على قدسيتها بعيداً عن التدخل في الشؤون السياسية العامة والخاصة، قد يسهم بشكل كبير في إزالة الجدل حول هوية الدولة، فالمؤسسة الدينية كما عرفها التاريخ، بأنها سلطة تختص بالأمور الشرعية ولا تسعى إلى بناء ثروة ومؤسسات تختص بالجوانب المدنية الحديثة، كالتجارة والصناعة والبيع والشراء والربح وغيرها من الأمور التي تعد من اختصاصات الدولة الحديثة أو المعاصرة.

فالسلطة الدينية في العراق ما بعد 2003، أصبحت سلطة مصغرة تشارك وتنازع الدولة في سلطاتها كافة، وربما لا نبالغ إذا قلنا بأن لها اليد الطولى في صناعة القرار السياسي بشكل أو بأخر في أوقات الأزمات.

  وعليه، أعتقد بأن هذا التداخل والتنازع أسهم بشكل واضح وكبير في خلق صورة ضبابية لدى الرأي العام حول هوية الدولة العراقية، وطبيعة السلطة الدينية فيها، فضلاً عن حالة الصراع السياسي بين الإسلام السياسي والمدنيين، وأن استمرار هذا الوضع، سيؤدي إلى ولادة نموذج مشوه أو ربما نشهد حالة صدام بين المؤسستين مستقبلاً، لاسيما وأن السلطة الدينية اليوم تمتلك (السلطة، الدين، والمال)، أي بمعنى أنها تمتلك كل المؤهلات والقدرات اللازمة في تقويض سلطة الدولة أو موازاتها (على أقل تقدير)؛ الأمر الذي يجعلها منافس حقيقي وموازي للسلطة المدنية أو لسلطة الدولة الحديثة.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2019 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات