قضايا اقليمية

هوس السلطة في الأنظمة الاستبدادية: الجزائر إنموذجاً

  نقصد بهوس السلطة الرغبة الشديدة للتمسك بها والاستحواذ على مغانمها، ومحاولة عدم التفريط بها مهما كانت النتائج المترتبة على ذلك (حروب، فتن، اغتيالات، فقر، فساد بأنواعه، ضياع جزء من الأراضي، وضع البلد في مستقبل مجهول)، فالبعض يضحي بوطنه ويضحي بشعبه ويضحي بولده لغرض الاستمرار والبقاء على رأس السلطة.

لذلك يمكن القول، بأن هوس السلطة هو بمثابة مرض نفسي، لكنه مرضاً لا يمكن علاجه بسهولة البته، كون المصاب به يرفض التشخيص، إضافة إلى رفضه الشديد لأخذ العلاج! لهذا السبب نظر أغلب الباحثين والمفكرين إلى السلطة بأنها مفسدة، لذلك سعى كل من يريد تجنب هذه المفسدة إلى تقييدها وتقنينها في إطار المؤسسات القانونية والدستورية.

والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه عند التأمل في ظاهرة هوس السلطة، هل الطاغية المستبد هو من صنعها، أم أن الشعوب لها دور في ذلك على مقولة (الشعوب تصنع الطغاة)؟، ثم هل يدرك الحاكم المستبد أنه مستبد وسوف يؤدي استبداده إلى ظلم وخراب بالضرورة؟.

من باب الأمانة العلمية، لابد من القول، إن استبداد الأنظمة ليس على وتيرة واحدة، هناك نظام شمولي، ليس فيه أي هامش للحرية (التعددية معدومة)، حيث لا يترك الحاكم الشمولي شيء خارج سيطرته وسطوته، في حين هناك بعض الأنظمة الدكتاتورية التي تتمتع بنوع ولو بسيط من هامش نسبي من الحرية النقابية أو السياسية. كذلك يختلف هوس السلطة من رئيس لآخر بين من يصبح لديه لحد الجنون (جنون العظمة) وبين من يكون محب للسلطة ومغانمها وشهواتها بدواعي نفسية مرضية.

ابتُليت أغلب الشعوب العربية بأنظمة سياسية مستبدة جثمت على صدورها لمدة زمنية ليست بالقليلة، البعض تخلص منها بفعل التدخلات الخارجية (التغيير السياسي في العراق) وأخرى بفعل التظاهرات الشعبية (ثورات الربيع العربي)، ودول أخرى ظلت ترزح تحت وطأة الاستبداد لغاية اليوم، ومن بين تلك الدول هي الجزائر التي تقاد من قبل الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقه، إذ حكم البلاد منذ عام 1999 ولغاية اليوم ويرغب بالتجديد لولاية خامسة، وهنا يمكن عد هذه الحالة نموذج واضح للدراسة (هوس السلطة)، فبعد مرور عشرين سنة يرغب الرئيس بتجديد ولايته بالرغم من كبر سنة (82) عام، وبالرغم من مرضه الشديد الذي أقعده وقيد حركته.

وإزاء المطالبة بالتجديد خرج الشعب الجزائري بتظاهرات كبيرة رافضاً للتجديد ومطالباً بالتغيير بالرغم من الإجراءات الحكومية إتجاه هذه التظاهرات، ولكن المستغرب تخويف الشعب وتخوينه، والأدهى من ذلك هو تصريح الدبلوماسي الجزائري السابق الأخضر الإبراهيمي بتاريخ 19/3/2019، حيث حذر في هذا التصريح من الوصول إلى سيناريو مشابه لما حدث في العراق، والمستغرب هنا: لماذا لم يشبه الإبراهيمي الوضع بتجربة ناجحة نسبياً بالتغيير كما حدث في تونس، ولاسيما وأنها الدولة الأقرب جغرافياً، والذهاب إلى هذا التخويف، فهل يصب في مصلحة الشعب الجزائري المغلوب على أمره، أم في مصلحة الرئيس المريض المصاب بهوس السلطة؟، والمستغرب أيضا هو الوعد الذي وعده الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بإجراءات انتخابات خلال عام واحد بعد تجديد ولايته الخامسة!. هنا نقول، لماذا هذه السنة بالذات هل نشوة السلطة بحاجة إلى سنة إضافية، ولماذا لا تتم الآن؟.

والأكثر استغرابا، أن التمسك بالسلطة في الجزائر من قبل شخص طاعن بالسن (82) سنة ومريض بمرض أجلسه على الكرسي، كرسي المرض وليس كرسي السلطة.

وفي مقابل ذلك، تشير الإحصائيات أن نسبة الشباب في الجزائر تتجاوز 40% من النسبة الكلية للسكان، أليس من الأولى أن يكون للشباب دوراً في بناء مستقبل بلدانهم، لأن الإنسان مهما طال به العمر ومهما حصل من خبرة، يمر بمراحل يصعب عليه التفكير، كيف سيكون فكر الرئيس منتج ومتجدد وهو قريب من منتصف الثمانين من عمره، ثم أن الثقافة السائدة في الجزائر هي الثقافة الفرنسية بحكم عوامل عديدة ليس هناك محل لذكرها، أليس من باب أولى التأثر بظاهرة التعاقب على السلطة في فرنسا، أم أن التأثير والتأثر بالغرب قائم على أساس الانتقاء بالنسبة لمعظم الدول العربية ومنها الجزائر.

ويبقى التساؤل الأهم، في دراسة أي تظاهرة تحدث في أي بلد عربي منها تظاهرات الجزائر هل يمكن نجاح تلك التظاهرات أم الفشل سيكون حليفها؟، وتكرار هذا التساؤل والتخوف كون أغلب الأنظمة العربية المستبدة تستعمل كل الحيل وكل الوسائل لغرض استغفال الشعوب وكسب الوقت لصالحها؟.

إن نجاح تلك التظاهرات وفشلها يعود إلى الشعب نفسه فهو الذي يحدد مصيره، ففي حال قبول الشعب بالحلول التأجيلية والحلول الترقيعية والحلول التخديرية فأن التظاهرات سوف تفشل بشكل مؤكد، أما إذا صمم الشعب برفض تلك الحلول والمطالب والتأكيد على الحقوق الأساسية لاسيما المطالبة بالحق السياسي إلى جانب الحق الاقتصادي عندئذ فأن النجاح سوف يكون حليفها بكل تأكيد.

بمعنى أن أغلب الحكومات العربية الاستبدادية تحاول في المراوغة والتأجيل وتحاول أيضا تشتت مطالب الشعوب وتحويلها إلى المطالب الاقتصادية حصراً وتحاول أن تعطي وعود وأحيانا تحدد وقت زمني (60 يوم أو 100 يوم) لغرض كسب الوقت ليس إلا، ولا تسمح بالحديث عن المطالب السياسية والتي هي المفتاح الرئيسي لكل المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما دعوات الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في تأجيل التغيير لمدة سنة أخرى إلا شاهد واضح على التسويف وكسب الوقت.

ومع الأسف، غالباً ما يستعمل الجيش ويتم توظيفه بشكل سلبي في خدمة الأنظمة الاستبدادية، ويقدم المستبد نفسه بكونه الراعي الأول للعلم والراعي الأول للدين والمقاوم للمستعمر والشعوب لولاه لذهبت للمجهول، ويقدم نفسه بكونه معصوم من الخطأ، فكل أخطاءه وأن وجدت مبررة، ودائما ما يضع نفسه وكأنه فوق الشعب وكأنه من طينة مختلفة.

الخاتمة والاستنتاجات

  إن دول المنطقة العربية دون استثناء تعاني من مشاكل جمة، لكن المشاكل السياسية هي الأبرز وحلها هي المفتاح الرئيسي للبدء بحل باقي جميع المشاكل الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، لكن الحل لهذه المشكلة لا يمكن دون دور الشعوب، فلا يمكن بقاء دورها مغيب، لابد من إستعادة المبادرة وأفضل شي مشجع هو أن الوعي العربي أصبح أكثر بفعل عوامل عديدة لاسيما عوامل التكنولوجيا التي فسحت المجال للتعرف على ما يدور في العالم من أحداث، فلا يمكن القبول بتسمية الدهماء أو العامة التي هي دائما بحاجة إلى وصي أو وكيل، ولا يمكن فرض قبول الوضع القائم، ولا يمكن أن يجبر المواطن العربي بخيارين لا ثالث لهما أما الاستبداد أو الفوضى والخراب، إذا على المواطن أن يختار الديمقراطية والنظام والقانون وهو الخيار الأمثل.

وهنا نقول، مهما حاول المستبد من أن يتشبث بالسلطة فأن مصيره الزوال لا محال (لو دامت لغيرك لما وصلت إليك)، ولكن الزوال يختلف باختلاف الطريقة التي يغير بها، فالزوال قد يكون بالإعدام أو بالقتل أو بالنفي، وقد يكون الزوال بشكل سلمي وطوعي إذا ما أراد الرئيس المحافظة على مؤسسات الدولة الجزائرية وإبعاد شبح الفوضى عنها.

وقد توصلت الدراسة لعدد من الاستنتاجات لعل من أبرزها:

1- بالرغم من تمسك الرئيس الجزائري بالسلطة كونه مصاب بهوس السلطة، لكن نعتقد أن حاشية الرئيس والمتنفذين في الحزب الحاكم يرغبون ببقاء الرئيس أكثر من الرئيس نفسه، لأنهم مستفادين إلى حداً كبير من مرض الرئيس، حيث فعلياً هم من يمسكون بالسلطة.

2- المستبد لا يعرف صديق ولا يعرف عدو، صديقه من يساهم في بقاءه في السلطة ولو كان أبعد ما يكون عنه دينياً وقومياً ومذهبياً وفكرياً وإيديولوجياً، أما عدوه فهو من يساهم ويدعو إلى زواله وتغييره حتى وأن كان الأقرب له.

3- ليس بالضرورة أن الشعوب هي من تصنع الطاغية، في أحيان الطاغية من صنع المستعمر وأحيان الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية تصنع الطاغية، إضافة إلى أن اغتنام الفرص في أحيان تلعب دورا جوهرياً في صناعة المستبد الطاغية، أما الشعوب فهي في حالات تصنع الطغاة دون شعور، وتحاول بعد فوات الأوان للتخلص منه لكن النتيجة بعد ترسيخ الطاغية سلطته سلبية وفي غير صالح الشعوب، لذلك تثبيت الطاغية سهل نسبيا، لكن تغييره صعب لغاية لما يمتلكه من أدوات السلطة تمكنه من القمع المستمر لشعبه.

4- يفترض بالشعوب العربية ومنها شعب الجزائر أن يعتمد على نفسه بالتغيير المنشود، وعليه أن لا ينتظر أو يعتمد على حل يأتيه من الخارج، لأن الدول الإقليمية والدولية تتعامل مع الحدث حسب المصلحة، وتضع مصلحة الشعب جانباً وتقدم مصالحها وتعمل على تحقيقها حتى وإن كانت على حساب الشعوب العربية المغلوب على أمرها.

5- ابتلينا برؤساء مَرضى بهوس السلطة ظنوا أن الله لم يختار سواهم لقيادة تلك المجتمعات، ويحاولون أن يضعون تلك المجتمعات أمام الأمر الواقع ليس أمامهم سوى الإيمان بالقدر حسب تعبيرهم. ولكن هذا القدر هو سلبي، وهذا القدر هو من عند البشر والله تعالى براء من هكذا أناس، فرب العزة أرسل جميع الأنبياء لغرض التخلص من الاستبداد والتحرر من الطغاة.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2019 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات