اهتمت صحف ومواقع عربية بزيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني الأخيرة إلى العراق، وسط تكهنات بشأن أهداف ودلالات الزيارة، وما إذا كانت تعد محاولة للالتفاف على العقوبات الأمريكية أو غيرها من الأهداف المعلنة وغير المعلنة. وعلى الرغم من الانتقادات الكبيرة التي حملتها زيارة روحاني إلى العراق بعدما خرق البروتوكولات والأعراف الدبلوماسية، عندما ذهب إلى زيارة المراقد المقدسة في مدينة الكاظمة وسط العاصمة العراقية بغداد، قبل أن يلتقي السيد رئيس الجمهورية العراقية برهم صالح، إلا أن ذلك، لا يمكن أن يلقي بضلاله على أهمية الزيارة والرسائل التي حملتها على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. تأتي أهمية هذه الزيارة في ظل الصراع القائم بين طهران وأدواتها (العسكرية والسياسية) في المنطقة من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من جهة أخرى، لاسيما بعد التطورات الأخيرة التي تشهدها الساحة الإقليمية سواء على صعيد الأزمة السورية أو في ملف إنهاء تنظيم داعش أو على المستوى المحلي بالنسبة لإيران والساحة السياسية العراقية. وهناك من يتسائل عن طبيعة تلك الرسائل التي تضمنتها زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى العراق؟.

دلالات اقتصادية

  بالتأكيد تحمل زيارة روحاني إلى العراق دلالات اقتصادية أكثر مما هي سياسية؛ وذلك بسبب تداعيات العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني، وبما أن العراق يمثل الرئة الاقتصادية للجمهورية الإيرانية من خلال حجم التبادل التجاري بين الجانبين، لاسيما وأن العراق يعتمد كلياً على الكهرباء والغاز الإيرانيين، فضلاً عن السلع الاستهلاكية التي تتعلق بالمواد الغذائية أو غيرها من المواد الأخرى.من هنا جاءت زيارة روحاني لتطمّئن على سريان التبادل التجاري بين البلدين ورفع سقفه في المستقبل القريب، من خلال مناقشتها لملف ربط العراق بإيران عن طريق سكة حديد تمتد من منفذ الشلامجة الحدودي إلى مدينة البصرة بطول 32 كيلومتر، ويشمل أيضا تشييد جسر متحرك بطول 800 متر، الأمر الذي أزعج واشنطن كثيراً؛ نتيجة لما له من تداعيات مستقبلية على الأمن الإقليمي في المنطقة.

الالتفاف على العقوبات الأمريكية

  بعد الاختناق الداخلي الذي لحق بالاقتصاد الإيراني نتيجة تشديد الإدارة الأمريكية للعقوبات على طهران ومن يتعاون معها، تبحث إيران عن أسواق في الدول المجاور مثل العراق وتركيا وسوريا وغيرها من الدول التي لا تقع تحت التأثير الأمريكي بشكل مباشر، كالدول الخليجية، لاسيما وأن العراق مستثنى من العقوبات الأمريكية. وهذه الزيارة بطبيعة الحال تعد بمثابة تحدي للعقوبات الأمريكية وللرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من خلال توسيع المشاركة الاقتصادية بين إيران والعراق، وأن التفاوض على مشروع ربط العراق بسكة حديد مع إيران في المستقبل القريب من شأنه أن يشكل تحدي أكبر للإدارة الأمريكية الحالية.

دلالات إلى معارضي روحاني

  يرى الكثيرون بأن زيارة روحاني إلى العراق لها بُعد موجه إلى الداخل الإيراني؛ وذلك من خلال الرسالة التي وجهها روحاني إلى معارضيه في السلطة؛ لأن لقاءه مع السيد السيستاني، أعطى له دلالات سياسية في الداخل الإيراني، بأن الرئيس يتمتع بنفوذ أقوى بكثير من المؤسسات والشخصيات العسكرية الإيرانية التي تمسك بالملف العراقي، كقائد فيلق القدس الإيراني (قاسم سليماني) الذي رفضه السيد السيستاني في مناسبات سابقة، أو غيره من الأسماء التي تريد أن تسيطر على المشهد العراقي من خلال التواصل مع قادة الفصائل والأحزاب السياسية العراقية الموالية إلى ولاية الفقيه من خلف الكواليس.

دلالات اللقاء مع شيوخ العشائر

  لم تقتصر زيارة روحاني إلى العراق على الجوانب السياسية والاقتصادية، بل تعدتها إلى الجوانب الاجتماعية، إذ التقى الرئيس بشيوخ العشائر العراقية في بغداد أثناء تواجده فيها، وكذلك التقى بوجهاء وشيوخ عشائر وسط وجنوب العراق على قاعة فندق البارون في محافظة كربلاء، وهذه لم تكن الأولى، إذ سبقه في ذلك، وزير خارجيته محمد جواد ظريف خلال زيارته إلى العراق في شهر كانون الثاني الماضي، عندما التقى شيوخ العشائر في كربلاء. وعلى ما يبدو بأن إيران تحاول أن تتغلغل في بنية المجتمع الشيعي ليس فقط على الصعيد السياسي والعسكري أو الاقتصادي، وإنما على الصعيد الاجتماعي أيضاً، في محاولة منها لكسب مواقفهم في صراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الإستراتيجية تذكرنا بالإستراتيجية الأمريكية التي أتبعها الرئيس الأمريكي بوش الأبن أبان فترة ولاية السيد المالكي الأولى مع العشائر السنية، حينما اعتمدت الولايات المتحدة على عشائر الأنبار والمحافظات الغربية في محاربة تنظيم القاعدة آنذاك.

اللقاء الأهم

  على الرغم من أن الرئيس روحاني ختم زيارته إلى العراق بزيارة المراجع الدينية في النجف الأشرف وعلى رأسهم السيد علي السيستاني، إلا أن هذه الزيارة ربما تعد الزيارة الأهم على صعيد المحادثات الثنائية. فالزيارة كما قلنا سلفاً بأنها تحمل دلالات مهمة بالنسبة لروحاني سواءً كانت من خلال الرسائل التي بعثها الرئيس إلى مناوئيه في الداخل الإيراني أو من خلال طابعها العام؛ وذلك بسبب رمزية السيد السيستاني داخل المجتمع العراقي والشيعي بشكل عام. وقد شدد السيد السيستاني خلال لقاءه بروحاني على بعض الأمور المهمة، منها:

• تعزيز علاقة العراق بجيرانه على أساس مصالح الطرفين واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وهنا تكمن الإشارة إلى الدور الإيراني في العراق ومنافذه السياسية والعسكرية غير الرسمية.

• إن المنطقة يجب أن يسودها السلام والاحترام المتبادل، وأن تتسم السياسات الإقليمية والدولية بالتوازن والاعتدال، وهنا تكمن الإشارة إلى الصراع القائم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وتأثيرهما على الاستقرار السياسي في العراق والمنطقة.

• يقال: أن السيد السيستاني طرح مسألة ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وهنا تكمن الإشارة إلى السلاح المنتشر بيد فصائل الحشد الشعبي وغيرها من الفصائل التي تعتمد على التمويل الإيراني بشكل غير مباشر.

  خلاصةً ما تقدم، يمكننا القول: أن زيارة روحاني إلى العراق لها دلالات مختلفة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، لاسيما مع تصاعد الصراع الإيراني – الأمريكي في المنطقة. وعلى ما يبدو بأن العراق يمثل أهم ركيزة في هذا الصراع، وعليه يفترض من صانع القرار العراقي أن يضع الأطر السياسية الصحيحة التي ترسم طبيعة العلاقة مع طهران، وبصورة غير استفزازية لمحيطه العربي والدولي، وبشكل لا تؤدي إلى تدهور العلاقة مع واشنطن؛ لأن الحفاظ على توازن العلاقة بين طهران وواشنطن سيجنب العراق الكثير من المشاكل والتعقيدات الأمنية والسياسية، وربما لا نبالغ في الأمر، إذا ما اعتبرنا بأن أحد مقومات نجاح الحكومة الحالية، هو الحفاظ على طبيعة تلك العلاقة بين واشنطن وطهران.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2019 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات