قضايا دولية

إعلان ترامب حالة الطوارئ الوطنية.. بين الخيارات التشريعية والقضائية

   بعد رفض الكونغرس تضمين مخصصات مالية لبناء الجدار العازل على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة مع المكسيك، لجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى خياراته التنفيذية بإعلان حالة الطوارئ الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ لتنفيذ وعده الانتخابي الذي قطعه على نفسه وأمام ناخبيه لوقف الهجرات غير الشرعية والسيطرة على تجارة المخدرات؛ وذلك من أجل تمويل مشروع الجدار بأموال تكون تحت تصرفه، كتلك الأموال المخصصة للدفاع أو غيرها؛ معللاً الأمر بحالات الطوارئ التي أعلنها الرؤساء السابقون في أمور أقل خطورة مما يحدث في الحدود مع المكسيك. هذا الأمر استقبله الأمريكيون والمؤسسات الأمريكية بين مؤيد ومعارض، إلا أن الديمقراطيين بزعامة أغلبية الحزب الديمقراطي في مجلس النواب نانسي بيلوسي وزعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ جاك شومر توعدوا ترامب في المحاكم الدستورية العليا، معتبرين الإعلان بأنه سطوة على السلطة وخرقاً للدستور الأمريكي.

ما هي حالة الطوارئ الوطنية، وما المقصود بها، وكيف سيتعامل الرئيس الأمريكي معها، وما هي الطرق التي سيسلكها الديمقراطيون ضد الرئيس، وما هو شكل المعركة القادمة بين الرئيس الأمريكي والكونغرس؟.

  تعد حالة الطوارئ الوطنية الأمريكية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي، حالة طبيعة في الولايات المتحدة الأمريكية، يتعامل معها الرؤساء الأمريكان بموجب القرارات العرفية التي تفوض لهم نتيجة هذا الإعلان وتخضع لتقديراتهم الشخصية. فهذا القرار يمنح السلطة التنفيذية حالة الطوارئ وعلى رأسها الرئيس؛ وذلك من أجل التعامل مع الأزمات والكوارث الطارئة التي تتعرض لها الولايات المتحدة الأمريكية مثل (الكوارث الطبيعة وانتشار الأوبئة والحروب) دون وضع القيود على قرارته. وصدر هذا القانون لأول مرة عام 1976، وطبق أول مرة في عام 1979 على يد الرئيس جيمي كارتر؛ لتجميد الأصول الإيرانية في أمريكا خلال أزمة رهائن السفارة الأمريكية في إيران. واستخدم هذا القانون 57 مرة منها 31 مرة ما زالت سارية المفعول أبرزها عام 2001 بعد أحداث 11/ سبتمبر، وكان أخر مرة أستخدمها الرئيس السابق باراك أوباما بعد انتشار وباء أنفلونزا الخنازير، إلا أن الحالة مختلفة نوعاً ما مع الرئيس ترامب، فكل الرؤساء السابقين الذين أعلنوا حالات الطوارئ السابقة لم يكونوا على خصام مع الكونغرس بل على العكس كانوا على توافق معه ومع المؤسسات الأمريكية. إذ يتوجب على الرئيس الأمريكي أن يخبر الكونغرس قبل إعلان حالة الطوارئ وعن الاسباب الموجبة لذلك، ثم يلتزم الرئيس بإعطاء المستجدات الدورية عن تطورات الأزمة وطبيعة التعاطي معها، وهذا لم يحدث مع الرئيس الحالي.

الخيارات التشريعية

  إن قرار ترامب بإعلان حالة الطوارئ كان متوقعاً بالنسبة للكونغرس، لاسيما بالنسبة لمجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون؛ الأمر الذي أدى بزعيمتهم بأن تتوعد ترامب في المحاكم الأمريكية العليا، لكن قبل اللجوء إلى المحاكم العليا، هل بإمكان الكونغرس أن يوقف أو ينقض قرار ترامب بإعلان حالة الطوارئ بالطرق التشريعية؟. بالتأكيد يحق للكونغرس أن يوقف قرار ترامب في مدة اقصاها 15 يوم؛ وذلك بتحقيقه أغلبية الثلثين، أي بمعنى يحتاج وقف القرار إلى 67 صوت في مجلس الشيوخ، بينما يحتاج إلى 287 صوت في مجلس النواب، في الوقت الذي يسيطر فيه الجمهوريين على مجلس الشيوخ بواقع 53 مقعد مقابل 47 مقعد للديمقراطيين، في حين يسيطر الديمقراطيون على مجلس النواب بواقع 235 مقعد مقابل 200 مقعد للجمهوريين؛ الأمر الذي سيعقد المشهد أمام الديمقراطيين في نقض القرار الرئاسي. وعلى الرغم من انضمام 15 عضواً من مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين في رفضهم لقرار الرئيس الأمريكي، إلا أن ذلك لم يمكنهم من تحقيق مبتغاهم في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب وسيجعل مهمتهم صعبة للغاية؛ مما أدى بهم في نقل المعركة إلى ساحة القضاء الأمريكي.

الخيارات القضائية

  على الرغم من أن الرئيس ترامب يعلم بأن التوقيع على المرسوم الجمهوري الخاص بإعلان حالة الطوارئ سيضعه أمام القضاء الأمريكي، لاسيما بعد توعد مجلس النواب بمحاسبته قضائياً، إلا أن اصرار الرئيس على المضي في بناء الجدار العازل مع المكسيك والتحضير للانتخابات الرئاسية المقبلة في 2020، وضعه أمام تحدي الكونغرس، الذي ما يزال مصراً على مواجهة قرار الرئيس بالخيارات القضائية، فكيف ستكون المواجهة قضائياً بين الطرفين ولمن ستكون الغلبة؟.

بالتأكيد ستستمع المحكمة إلى كل وجهات النظر، وستنظر في الطعون المقدمة من قبل الكونغرس على قرار الرئيس، بالمقابل ستنظر إلى تبريرات الرئيس الخاصة بالمرسوم الرئاسي من أجل تمويل بناء الجدار العازل مع المكسيك. ونتيجة لذلك، ربما يصعب التكهن في مستقبل الخيارات القضائية لكونها تقع ضمن اختصاص القضاء، فمن الممكن أن ترفض المحكمة قرار الرئيس أو تقبله، إلا أن سيناريو الرفض ربما يكون مرجحاً على سيناريو القبول؛ وذلك لأن بناء الجدار مع المكسيك لم يكن بمثابة أزمة حقيقية تهدد الأمن القومي الأمريكي، كالأزمات التي سبقته في إعلان حالة الطوارئ، وأن الرئيس لم يعطي التبريرات الخاصة بالقرار حينما سأل عن ضرورة التمويل، لكنه أجاب من أجل تسريع وتيرة العمل بالجدار؛ ولذلك يرى البعض بأن قرار الرئيس يمثل بمثابة تحدي للكونغرس ليس إلا، وربما يتماشى القضاء الأمريكي مع الكونغرس الأمريكي بخصوص عد القرار بأنه تجاوز على السلطة التشريعية، وأن الرئيس يتعامل مع أزمة غير موجودة بالفعل، فضلاً عن ذلك، فأن القضاء الأمريكي ينظر إلى الرئيس بأنه شخص يعمل على تحدي المؤسسات الدستورية، وأن العلاقة بينه وبين المؤسسات الأمريكية جدلية، وحتى السلطة القضائية لم تخرج من دائرة تلك العلاقة التي تّعود الرئيس على الخوض بها؛ نتيجة لذلك ربما يقف القضاء الأمريكي ضد القرار الرئاسي الخاص بإعلان حالة الطوارئ.

وبغض النظر عن طبيعة تعاطي القضاء الأمريكي مع قرار إعلان حالة الطوارئ، يرى الرئيس الأمريكي بأن مستقبله السياسي في البيت الأبيض وفي الانتخابات الرئاسية المقبلة، يتحدد من خلال تنفيذه لبعض وعوده الانتخابية التي قطعها لجماهيره، كنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وحظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبناء الجدار العازل مع المكسيك؛ ولهذا فأن قرار الرئيس بإعلان حالة الطوارئ ربما يعد قرارا شكلياً أو تحصيل حاصل؛ لأن المحكمة من الممكن أن تبت في دستورية القرار في يونيو 2020، أي قبل الانتخابات الرئاسية بشهرين أو ثلاثة، فضلاً عن ذلك، فأن المحاكم الدنيا أو الابتدائية من شأنها أن تقوم بتعطيل قرار الرئيس، وحينها يكون القرار ليس ذي فائدة وإنما مجرد تسويق سياسي لشخص الرئيس دونالد ترامب.

.......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2019 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات