قضايا دولية

هل ستمهد محادثات السويد إلى إنفراج الأزمة اليمنية؟

   إنطلقت في السادس من ديسمبر/ كانون الأول محادثات السلام الخاصة في الأزمة اليمنية برعاية الأمم المتحدة في قصر (جوهانسبورغ) في العاصمة السويدية ستوكهولم؛ وذلك من أجل إيجاد حلاً للنزاع القائم في اليمن ووقف الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب اليمني. وتعد هذه المحادثات اللقاء الأول من نوعه بين أطراف النزاع في الأزمة اليمنية، فقد تضمن اللقاء الإتفاق على تبادل الأسرى بين الطرفين كبادرة حسن نية، وقد وصفت هذه المحادثات بأنها الفرصة الأفضل بين المعنيين بالأزمة اليمنية منذ اندلاعها في العام 2014.

وتشير المحادثات الأولية بين أطراف النزاع إلى أن اتفاق تبادل الأسرى قد تم التوقيع عليه بالفعل، وتم الاتفاق ايضاً على تشكيل لجان مشتركة لإنتشال الجثث من ساحات القتال، من أجل وضع اجراءات جدية لبناء الثقة بين المتنازعين، وقد تضمنت المحادثات أيضاً مناقشة موضوع التهدئة في منطقة الحديدة ووقف الغارات في اليمن بشكل كامل، وطرح مبادرة لوقف القتال ايضاً في جبهات تعز، فضلاً عن ذلك فقد تضمنت المحادثات مناقشة الوضع الاقتصادي والمعاشي في اليمن ووضع مطار صنعاء وميناء الحديدة.ربما تكون اجراءات الجولة الأولى من محادثات السويد هي إجراءات تطمينية من أجل بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، لاسيما مع توصل طرفي الأزمة اليمنية إلى بعض التفاهمات بشأن الأسرى والمعتقلين وإنتشال الجثث ووضع المطارات والموانئ. هذه الإجراءات - في حال نجحت- ستخلق قاعد أساسية من أجل إنجاح المشاورات القادمة من المحادثات، لاسيما فيما يتعلق بإجراءات بناء الثقة وتخفيف التوتر وتحسين الجانب الأمني. فهل تضع محادثات قصر جوهانسبورغ حلاً للأزمة اليمنية أم سيكون للإرادات الدولية والإقليمية الفاعلة في الأزمة اليمنية رأيا آخر؟.

بالتأكيد سيكون هناك دور كبير للمنصات الدولية والإقليمية الفاعلة في الأزمة اليمنية سواء بالتأثير سلباً في افشال المحادثات أو انجاحها، لكن إذا ما نظرنا إلى المتغيرات الحاصلة في الساحتين (الإقليمية والدولية)، لاسيما تلك المتعلقة بالمرجعيات الفاعلة في الازمة اليمنية بشكل مباشر وأقصد هنا المتغيرات الحاصلة في (السعودية وإيران والولايات المتحدة الأمريكية)، سنجد بأن هناك إرادة فعلية من قبل تلك المرجعيات في إنهاء الحرب باليمن؛ وذلك لعدة أسباب:

أولاً: المتغيرات الأمريكية

بالتأكيد أن إدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لم تعد راغبة بأستمرار الحرب السعودية على اليمن؛ وذلك بسبب المتغيرات الداخلية التي احدثتها الانتخابات النصفية الأمريكية، وافتقاد حزب الرئيس سيطرته على مجلس النواب، وتوعد زعيمة الحزب الديمقراطي بمحاسبة صارمة له، كذلك هناك ضغوط كبيرة تمارس على واشنطن وعلى إدارة ترامب (داخليا وخارجياً) بشأن تورط أمريكا في حرب اليمن؛ وذلك من خلال الدعم الذي تتلقاه المملكة العربية السعودية وولي عهدها من الإدارة الأمريكية الحالية، فضلاً عن ذلك، فأن حادثة قتل الصحفي السعودي في سفارة بلده في تركيا أثارت الرأي العام الأمريكي ضد سياسة الرئيس الأمريكي مع المملكة العربية السعودية وتغاضيه عن سياسة محمد بن سلمان. وهذا بالمجمل يمثل ورقة ضغط كبيرة على الإدارة الأمريكية الحالية من أجل إنهاء الصراع في اليمن وانجاح محادثات السويد، لاسيما وأن الولايات المتحدة الأمريكية وقفت - قبل ذلك- تزويد المملكة العربية السعودية بالسلاح؛ رغبة منها بإنهاء الصراع الدائر في اليمن منذ أكثر من أربع سنوات.

ثانياً: المتغيرات الإيرانية

لعل الجميع يدرك دور إيران في المنطقة، وتمددها السياسي والإيديولوجي في بعض العواصم العربية، وتأثيرها على القرار السياسي فيها. فطهران لها تأثير مباشر على الأزمة اليمنية، شأنها شأن المملكة العربية السعودية، إلا أن هناك متغيرات كبيرة ومؤثرة على الدور الإيراني في المنطقة من شأنها أن تؤثر بشكل مباشر على دور طهران في الأزمة اليمنية، وستساعد في إنجاح المحادثات الجارية في السويد، لاسيما تلك المتغيرات المتعلقة بالعقوبات الأمريكية على طهران وتأثيرها على الاقتصاد الإيراني بشكل عام. فالعقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران كبيرة ومؤثرة ومن الطبيعي جداً أن تترك تأثيرها السياسي على دورها الإقليمي، ونتيجة لذلك ربما الإدارة الإيرانية تدرك صعوبة استمرار دعمها لحركة انصار الله في اليمن، لاسيما في ظل تهاوي العملة الإيرانية إلى مستويات متدنية جداً، فضلاً عن هشاشة وضعها الداخلي، وتذمر المواطن الإيراني من سياسة بلده الخارجية ونشاطها الإقليمي؛ الأمر الذي يضع صانع القرار الإيراني في تأهب دائم على ردات الفعل الداخلية، ويعزز من انكماشه الداخلي.

ثالثاً: المتغيرات السعودية

ربما تكون متغيرات البيت السياسي السعودي أكثر المتغيرات تأثيراً بالأزمة اليمنية، لاسيما تلك المتعلقة بدور ولي العهد محمد بن سلمان وتطلعاته السياسية، فالأمير الشاب استحوذ على مفاصل القرار السعودي بشكل كبير، وتجاوزه الادوار الذي رسمته له إدارة ترامب. فإصراره على حسم حرب اليمن عسكرياً، وافتعاله الازمة الخليجية – الخليجية بمحاصرته لقطر، وتأييده المطلق لسياسة الرئيس الأمريكي، افقدته ثقة المجتمع الدولي، لاسيما المجتمع الأوروبي، فضلاً عن ذلك، فأن إعطاءه الأوامر بقتل الصحفي جمال خاشقجي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. وأن ردة فعل رؤساء دول مجموعة العشرين في العاصمة الأرجنتينية (بوينس إيرس) ونظرتهم إلى ولي العهد السعودي، كانت تعبر عن الامتعاض الشديد على سياسته، يضاف إلى ذلك القرار التي إتخذته الدول الأوروبية بوقف دعمها للمملكة العربية، وإيقاف عمليات بيع السلاح لها، وإصرارها على كشف ملابسات حادثة مقتل خاشقجي. كل تلك المتغيرات، ربما تكون ورقة ضغط كبيرة على بن سلمان من شأنها أن تسهم في انفراج الأزمة اليمنية، لاسيما وأن هناك مشروع أمريكي سيقدم إلى الكونغرس الأمريكي بشأن إدانة ولي العهد السعودي في حرب اليمن.

رابعاً: المتغيرات الدولية

تتزايد الضغوط على الدول الكبرى من أجل التدخل لحل الأزمة اليمنية بالطرق السليمة والتوصل إلى حل سياسي من أجل وقف المجاعة والإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب اليمني منذ العام 2014. ولعل المتغيرات أعلاه، كانت عامل تعضيد لإرادة المجتمع الدولي، فقد وجد المجتمع الدولي ضالته في ظل تراكم هذه المتغيرات، لاسيما المتغيرات الأخيرة المتعلقة بشأن الصراع الأمريكي – الإيراني، وبحث بن سلمان عن مخرج سياسي للخروج به إلى العالم من أجل تناسي أزمة مقتل الصحفي جمال خاشقجي.

وعليه، فأن مجمل هذه المتغيرات من الممكن أن تسهم في حل الأزمة اليمنية وانجاح المحادثات الجارية في السويد، لاسيما في حال نجحت التضمينات التي تم الاتفاق عليها في المحادثات الأولية في العاصمة السويدية ستوكهولم.

 

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2018 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات