قمة ترامب – كيم.. قراءة في المعطيات والنتائج

قضايا دولية
2018-06-12 آخر تحديث :2018-06-12 11:06
4104
   يحاول الرئيس ترامب تحقيق أختراق في الملف الكوري الشمالي بدءاً من تطبيع العلاقات مرورا بنزع السلاح النووي الكوري، وتحقيق السلام في شبه الجزيرة الكورية، وهذا الاختراق على شاكلة أختراق نيسكون بتطبيع علاقات الولايات المتحدة مع الصين، وفي عهد أوباما مع كوبا.  ويبقى الملف الكوري الشمالي أكثر تعقيدا إذ طوال الثلاثون سنة الماضية، حاول رؤساء أمريكيون ورؤساء دول أخرى في العالم والأمم المتحدة، الضغط على كوريا الشمالية وحثها على التخلي عن برنامجها لصناعة أسلحة نووية لكن لم يحقق شيء. بالمقابل عقد دونالد ترامب لقاءا مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ اون في سنغافورة لإنتزاع أتفاق فشل أسلافه في التوصل إليه. لكن يمكن أعتبار هذه القمة بالنسبة لأمريكا تجاه نظام سياسي منغلق غير مضمون التزامه بالإتفاقات والمعاهدات تنازلا كبيرا من جانبها.تمحورت نقاشات القمة حول طموحات بيونغ يانغ النووية التي تخضع لعقوبات دولية صارمة فرضها مجلس الأمن الدولي على مرّ السنوات السابقة مما سبب أزمات دولية وإقليمية. وتأمل واشنطن إلى نزع كامل لأسلحة شبه الجزيرة الكورية النووية، يكون قابلا للتحقق ولا رجوع عنه وللمحافظة على السلام الدائم والمستدام في شبه الجزيرة الكورية، حسب ما صرح به وزير الخارجية مايك بومبيو. أجواء التفاؤل قد تكون حاضرة وطموحة    إذ وافقت بيونغ يانغ على التخلي عن برنامجها النووي، والعودة إلى الإنضمام لمعاهدة الحد من الإنتشار النووي وأستقبال المفتشين الدوليين مقابل رفع العقوبات الاقتصادية والسياسية وإرسال مساعدات من المواد الغذائية والطاقة، كما تلتزم الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بإعادة رفات الأسرى المفقودين في الحرب، بما في ذلك إعادة الرفات التي تم التعرف على أصحابها على الفور، مع إحتمال تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة وتوقيع معاهدة سلام تنهي رسميا الحرب الكورية (1950-1953)، وإنهاء المناورات الأمريكية في كوريا الجنوبية، لكن يبقى إشكال المناورات المتعددة الأطراف في منطقة المحيط الهادي تضع إشكالا أمام واشنطن ترغب بإلغاءه بيونغ يانغ.  ويأمل ترامب على خيار آخر يتمثل بأعادة توحيد الكورتين ضمن محادثات وتفاهمات هذه القمة (رغم تحفظ الكورتيين)، إذا كان يحمل تفضيلات مقنعة للكورتيين تسهم في ضبط العلاقة وتوازن القوى ونزع السلاح وإنهاء التوتر وطرح بدائل وخيارات للأمن الإقليمي في شبه الجزيرة، تراعي المخاضات التأريخية والقيود الجغرافية والاجتماعية والنفسية، لكن هذا غير وارد لغاية الآن لتعنت الطرفين وإختلاف النهج والممارسة السياسية بين الكورتيين.  أجواء التفاؤل بعد المصافحة التأريخية، وأجواء الترحيب المتبادل بين الرئيسيين، تحيط بها أجواء الإحباط بفشل القمة من حيث النتائج العملية فلا مهارات تفاوض يمتاز بها ترامب ولا كيم، كما أن التسرع والغضب قد يصدر من قبلهما في أي لحظة في سياق أي تصريح مضاد، كما حصل من جانب ترامب تجاه قمة الدول السبع الكبار في كيبك بعد تصريحات رئيس الوزراء الكندي. إضافة إلى تاريخ كوريا الشمالية في موضوع التنصل من المحادثات والإتفاقيات والمعاهدات، فبعد توقيعها أتفاق إطار عام ١٩٩٤ إنهار هذا الأتفاق عام ٢٠٠٢ لإتهام بيونغ يانغ بأمتلاك برنامج تخصيب يورانيوم سري، ثم دخلت بمحادثات سداسية عام ٢٠٠٣ أفضت جولات المحادثات إلى أتفاق طموح عام ٢٠٠٥، لكن بيونغ يانغ أجرت أول تجربة نووية عام ٢٠٠٦ بعد أتهام واشنطن لأحد المصارف في ماكاو بتبييض الأموال لصالحها. ثم بدأت جولة محادثات في عام ٢٠٠٧ التزمت كوريا الشمالية بتجميد برنامجها النووي، وفجرت عام ٢٠٠٨ أحد محطات التبريد للبرنامج لكن سرعان ما لم يتفق الطرفان على الإجراءات للتحقق من نزع الأسلحة. ونهاية 2008 أعادت بيونغ يانغ تشغيل برنامجها النووي، كما أتفق الطرفان على أتفاق جديد عام ٢٠١٢ لوقف البرنامج النووي مقابل مساعدات غذائية لكن بيونغ يانغ خرقت الأتفاق وأجرت تجارب نووية جديدة وأنهت الأتفاق وفشلت المحادثات. وهذا قد ينسحب على أتفاق سانتوسا في 12/6/2018.  هذه المعطيات تؤشر محدودية المراهنة على قمة سنغافورة من حيث النتائج وقد لا تتعدى سابقاتها بأتفاق إطار ينص بتجميد البرنامج النووي مقابل إنفتاح اقتصادي وسياسي حذر من جانب واشنطن ينهار في أي لحظة، لهشاشة الأرضية التي قد يقوم عليه الأتفاق فقمة عابرة تقفز على معطيات التاريخ وتعقيدات العلاقة المعقدة بين الطرفين تشي بذلك.  لكن في حال سير المحادثات بالاتجاه المطلوب من قبل الطرفين قد يفتح عصرا جديدا في تاريخ العلاقات الدولية في ظل نظام دولي تصنع قواعده من قبل الولايات المتحدة قائم على أساس مجموعة من القواعد الاقتصادية والقانونية والعسكرية المتفق عليها، لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها مما يؤدي إلى إندلاع الصراعات والإرتباك، ولهذا لابد أن تعمل الولايات المتحدة على إعادة صياغة النظام الدولي من خلال تعميم الآليات المتبعة في تقاربها مع بيونغ يانغ بشكل يتوائم مع توجهاتها إزاء إيران والصين وروسيا وفلسطين والأزمات المتفاقمة في الشرق الاوسط، عدا ذلك لا يمكن الرهان على نجاح قمة ترامب - كيم من حيث أثرها على السلام العالمي مالم يستكمل هذا النموذج الدبلوماسي مع بقية مناطق الصراع وبؤر التصدع الدولية والإقليمية. الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز * مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2018 Ⓒ
اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات

اقرا ايضا

Card image cap

تقارير

Card image cap

قضايا دولية

Card image cap

قضايا دولية

Card image cap

قضايا دولية

أوباما.. في وداع البراغماتية الأنيقة
الثلاثاء 24 كانون الثاني 2017