اعلى الصفحة
dfgdfgdgfd
X


   إنهاء الصراع، ووضع تفاهمات، ومحاولة لإيقاف تصاعد القوة الألمانية في عام 1904، دفع المسؤولون في كل من باريس ولندن للجلوس وإبرام إتفاقية (التفاهم الودي) بين كل من بريطانيا وفرنسا، اللتان كانتا القوتين العظمتين في ذلك الوقت. وبموجب تلك الإتفاقية، أعيد ترتيب وتقسيم المصالح ومواقع النفوذ بين الدولتين، بحيث مُنحت فرنسا يدا مطلقة في المغرب، بينما أطلقت في المقابل يد بريطانيا في مصر، وأستمر توزيع مناطق النفوذ بين الدولتين في مناطق أخرى عديدة من العالم، شملت كلا من بورما ونيجيريا وإندونيسيا.
  التفاهم الودي، لم يدم ربيعه طويلا وبقيت فكرة الحصول على توسع أكثر لدى الجانبين في الشرق الأوسط قائمة، بل أن الفترات التي تلت الحربين العالميتين كانت فيه العلاقات تميل للخصومة بعض الأحيان، ولعبت لندن في الحد من الوصايا الفرنسية على كل من سوريا ولبنان بشكل أو بأخر في وقت كانت بريطانيا تسير بأتجاه علاقة (الشريك الأصغر) مع الولايات المتحدة الأمريكية مستذكرة دعم الأمريكان لها في الحرب العالمية الثانية، في حينها كانت فرنسا قد تعرضت لهزيمة ساحقة أمام الألمان، وأستمر مسلسل تراجع التفاهم الودي إلى 1956 حيث حرب السويس ومشاركة كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في الحرب ضد مصر وتراجعهم في الحرب دون تحقيق شيء يذكر، نتيجة تدخل الأمريكان وتفكيك ذلك التحالف.
بعد مجموعة من الإخفاقات التي أنتجها التفاهم الودي سارت بريطانيا بطريقة مغايرة لما سبق وقررت -على ما يبدو- في عهد رئيس الوزراء آنذاك هارولد ماكميلان أن لا تكون ندا للولايات المتحدة الأمريكية.
فيما قرر الفرنسيون النأي بأنفسهم عن الشراكة مع البريطانيين وإعادة النظر والتقييم للتفاهمات السابقة والذهاب نحو إستقلالية وإيجاد قوة ردع ذاتية، وبدى ذلك واضحا في سياسة رئيس الوزراء الفرنسي شارل ديغول آنذاك.
  أما التباعد الآخر في هذه العلاقة جاء في عقد الخمسينيات من خلال بروز السوق الأوروبية، حيث رأت فرنسا في هذه الخطوة خلق قوة إقتصادية جديدة تضم المانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ، يمكن لهذه القوة مستقبلا الوقوف بوجه الولايات المتحدة الأمريكية والإستغناء عن شراكة البريطانيين، غير أن بريطانيا سعت إلى تقويض وأضعاف هذه السوق منذ إنشاؤها رافضة الدخول فيها وعملت على جعله سوقا تجاريا حرا فقط.
  بداية الألفية شكلت هي الأخرى خريطة إفتراق لدى الطرفين، ففي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا مؤيدة لأغلب قرارات الولايات المتحدة الأمريكية كانت فرنسا تلتزم الصمت والحياد أو تعلن الرفض لهذه القرارات وأهمها قرار غزو العراق عام 2003، وعندما شاركت بريطانيا بقوة في هذه الحرب فأن فرنسا كانت من أشد المنتقدين لها.
الآن.. وبعد فترات من الهدوء الفرنسي أو الصمت والتحرك على حياء، تريد فرنسا إعادة التموضع في المنطقة، وقررت أن تكون رقما جديدة في المعادلة العالمية، بالتزامن مع تبنيها إستراتيجية جديدة بنيت على خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي. الفكرة الأساس في هذه الإستراتيجية أن تكون باريس هي القائد للإتحاد الأوروبي، ولكن وفق التعامل مع البريطانيين بنسب مختلفة حسب المواقع والأزمنة، إضافة إلى محاولتها الإلتحاق بالركب الأمريكي شريك ولكن (تحت التجربة).
  بعد تعيينه في شهر أيلول من العام الماضي سفيرا لفرنسا لدى المملكة المتحدة جان بيير جوييه، أحد كبار المسؤولين، ومستشار الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، بدأت محاولات إحياء العلاقة القديمة الجديدة وبث الروح في التفاهم الودي وفق إستراتيجية الشريك الثلاثي (أمريكا فرنسا وبريطانيا) ولكن برؤية فرنسية قائمة على محاولة النفوذ إلى قلب الأمريكان تحت غطاء الوقوف بوجه الروس والشراكة في حل مشاكل المنطقة ومنها سوريا، وإلى بريطانيا تحت غطاء بريطانيا العظمى من جديد، غير أن كل من الأمريكان والبريطانيين وإن كانوا يرحبون علنا بمثل هذا التوجه ويتعاملون معه على أرض الواقع ولكن سيبقون في أشد الحرص على أن لا يخرج المارد الفرنسي من قمقمه ليعلن بأن الإتحاد الأوروبي أصبح طرفا في المعادلة العالمية، وبدلا من العالم الثنائي القطبية يتكون عالم مثلث متساوي الأقطاب وعند ذلك الحين لا تفاهم ودي ولا شراكة صغرى بل التعامل بالندية هو المتوقع وهذا ما لا يريده الأمريكان، ويفضلون أن تكون روسيا هي الشريك الوحيد لهم في نسج خيوط اللعبة رغم خلافهم المعلن معها، بل أن الأمريكيين لن يألو جهدا في ضرب وتحجيم أي محاولة لدخول أي لاعب آخر في المنطقة إلا من خلال بوابتهم حصرا وضمن صافرة التحكيم المتفق عليها مع الروس وضمن مدد زمنية للعبة.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2018 Ⓒ
http://mcsr.net



التعليقات
اضف تعليق

X