اعلى الصفحة
dfgdfgdgfd
X


   بدأ التدخل الروسي في سوريا منذ الثلاثين من أيلول عام 2015 بناءا على طلب نظام الحكم في سوريا من أجل مواجهة تحديات بقاء الدولة والمجتمع على حد سواء، من جرّاء تداعيات تمدد التنظيمات الإرهابية المسلحة ومنها تنظيم داعش الإرهابي، ناهيك عن تداخل محاور الصراع الدولي والإقليمي في سوريا، سيما بعد تعرض الأخيرة لقصف صاروخي أمريكي (تسعة وخمسين صاروخا من طراز توماهوك) في مطار الشعيرات في السابع من نيسان عام 2017 على أثر الإتهامات الموجّهة لنظام الحكم في سوريا بأستخدام الغازات السامة في خان شيخون التي وقعت في الرابع من نيسان من العام نفسه؛ أما الهجوم الكيمياوي الأخير الذي تعرّضت له مدينة دوما السورية في الغوطة الشرقية في السابع من نيسان عام 2018 فلم يجري التحقيق فيه على مستوى عالي لحد الأن، على الرغم من تأكيدات العلماء الروس بأن عينات التربة التي جرى تحليلها لا تؤكد ذلك، في ظل دعوة دولة السويد لأرسال فريق دولي متخصص لكشف حقائق الهجوم الأخير، وهذا ما دعت إليه روسيا مسبقا (مشروع القرار السويدي في الأمم المتحدة ومن ثم دعوة الحكومة السورية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لإرسال بعثة للتحقق والتقصي عما جرى كونها الجهاز التنفيذي المعني بمتابعة إتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي دخلت حيز التنفيذ منذ عام 1997). ولكن الأوضاع باتت أمام سيناريو آخر غير متوقع قد تتكرر فيه حدة وشدة المواجهة بين القوى العظمى سيما عقب الإنتصارات السورية الكبيرة التي تحققت بمساعدة روسيا وإيران في حلب وإدلب (خسائر جيش تحرير الشام)، ومناطق أخرى من البلاد أخرها الغوطة الشرقية (خسائر جيش الإسلام) وإنسحاب المسلحين منها؛ مع بدء إنتشار قوات الشرطة العسكرية الروسية فيها منذ الثاني عشر من نيسان عام 2018. مما جعل النفوذ الأمريكي في تراجع سيما بعد أن أعلنت مؤخرا عن نيتها في الإنسحاب من مناطق غربي الفرات وشرقي سوريا، إلا في حالة الحصول على دعم مالي تموله أحدى الأطراف الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط، في الوقت الذي نجده أن المعادلة على أرض الواقع لا تميل لصالح الولايات المتحدة الأميركية، لتكون المنطقة أمام احتمالات غير متوقعة في حالة تسرع الولايات المتحدة في شن ضربات عسكرية قد تكون خارج السيطرة، مما يؤثر على إستقرار أمن دول المنطقة  والعالم بأكمله. لاسيما وأن وزارتي الدفاع والخارجية الأميركية ترفضا خطط الإنسحاب (كما أعلنه الرئيس ترامب منذ التاسع والعشرين من آذار عام 2018 بعد إنتهاء العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش الإرهابي)، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بتنظيم داعش الإرهابي، وهذا ما أكده وزير الخارجية الأمريكي الجديد مايك بومبيو، وأوضح مدير وكالة المخابرات المركزية السابق ورئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية الجنرال جوزيف دانفورد بشأن التشاور من أجل إقامة منطقة آمنة جديدة، لاسيما وأن الإنسحاب الأمريكي المرتقب يفترض وضع ترتيبات جديدة وحقيقية مع تركيا (المسيطرة على عفرين الواقعة في أقصى الشمال الغربي من الحدود المشتركة مع سوريا) وروسيا (المنتصرة على أرض الواقع) على حساب تحييد النفوذ الإيراني مستقبلا (الهدف الإستراتيجي الأمريكي)، وهذا من الصعب أن يتحقق وفقا للمعطيات الجيو - إستراتيجية الراهنة. لتبقى معادلة فرض منطق القوة العسكرية فيها الشيء الكثير من التعقيدات في ظل عدم حسم المعركة لحد الأن ضد التنظيمات الإرهابية المسلحة، فمازال تنظيم داعش الإرهابي متواجدا في حوض اليرموك بريف درعا جنوبي سوريا مع وجود جيش خالد بن الوليد الذي بايع التنظيم أصلا، ناهيك عن تمدد خطر التنظيم في البادية السورية بسبب الدعم الذي يحظى به من أطراف دولية وربما إقليمية غير معروفة لحد الآن (على الرغم من إعلان الولايات المتحدة صراحة في إستمرارها بمحاربة تنظيم داعش الإرهابي حتى القضاء عليه تماما)، مما يجعل التهديدات الأمنية قريبة من الحدود الأردنية وحتى اللبنانية أيضا وما سواها من الدول المتجاورة جغرافيا.
  لقد عدّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العالم الراهن غير مستقرا، كونه يتجه نحو الفوضى بسبب غياب التسويات الدولية الحاسمة لأزمات وحروب المنطقة التي باتت على المحك، لاسيما وأن هناك فرق كبير بين القوتين والترسانتين العسكريتين (الأميركية والروسية) في ظل الفارق النوعي عند إستخدام بعض الأسلحة (توازنات القوة العسكرية)، لكن تبقى حدود التفوق الحاصل بين الطرفين ضمن المديات المتفق عليها عند إستخدامها؛ وبدليل هناك تواصل بين رئيسا الدولتين (روسيا وأمريكا) كما حصل في الثالث عشر من نيسان عام 2018 عندما أتصل بوتين بالرئيس الأمريكي للتباحث في ضرورة إحتواء الأزمة الراهنة (مع إستمرار التواصل مع حلف شمال الأطلسي)، وهذا ما أكدته مقالة ديفيد أغناتيوس الأخيرة التي نشرت في صحيفة الواشنطن بوست التي أثبت فيها عدم وضوح الإستراتيجية الأميركية في سوريا سواء ما بين الإنسحاب أو المواجهة والبقاء.
  إن الهدف من المواجهة الراهنة ربما هو لإجبار روسيا على العودة لطاولة المفاوضات في سياق مباحثات جنيف السابقة، لاسيما وأن رئيس مجلس دوما الروسي فياتشيسلاف فولودين قد عدّ تصريحات ترامب الأخيرة بأنها تقود العالم نحو الرعب بسبب الخشية من تداعيات المواجهة، أما تهديدات الرئيس الأمريكي باستخدام الأسلحة الذكية فهذا يخالف الأعراف العسكرية التي تتبعها وزارة الدفاع الأميركية التي غالبا ما نجدها لا تفصح كثيرا عن تفاصيل عملياتها العسكرية في حالة المواجهة الحتمية. لتبقى خيارات وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس متباينة لكنها تبتعد كثيرا عن حدود المواجهة غير المسيطر عليها (صعوبة التكهن بتداعيات تمدد مخاطر إنشطار أزمات المنطقة)، لتبقى تصريحات الرئيس الأمريكي في تغريداته على تويتر مرتبكة وغير مفهومة حينما تحدث عن تحقيقات روبرت مولر البعيدة أصلا عن الأزمة الراهنة والتي تعكس إنعدام الوضوح والتذبذب في المواقف حيال شكل وطبيعة رد الفعل المراد إتخاذه من الإدارة الأميركية حاليا؛ وفي سياق ذلك أكد ترامب على تويتر أيضا في الثاني عشر من نيسان عام 2018 أنه لم يقل متى ستقع الضربة سواء أكانت قريبة أم لا، وربما قد لا تقع (عندما حصلت ضربة مطار الشعيرات في السابع من نيسان عام ٢٠١٧ فقد جرى فيها إبلاغ كل من روسيا وسوريا وإطلاعهما على ما سيحدث فعلا)، مما دفع بالمستشارة الألمانية إنجيلا ميركل لتؤكد على ضعف موقف المجتمع الدولي وإنقسامه حيال القضايا الحساسة التي تتعلق بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين (تراجع الموقف الدولي).
لذا ترى سوريا أن الغرض من الضربة الأميركية المرتقبة هو لمحو بعض الأدلة التي يمكن أن تحدد المسؤول عن الهجوم الكيميائي، أو ربما إنها خطة إستراتيجية لإيجاد حلف إستراتيجي غربي جديد لمواجهة روسيا ومحاصرتها في مناطق نفوذها من أجل إعادة ترتيب أوضاع المنطقة وفقا لمعادلة جديدة تكون البديل عن ما حدث لصالح روسيا وإيران وتركيا على أرض الواقع، بمعنى أن المنتصرين أستطاعوا فرض معادلة جديدة باتت الولايات المتحدة الأميركية غير مؤثرة فيها إن لم نقل بعيدة عنها؛ وبدليل إتصالات المسؤولين الروس مع السفير الإسرائيلي والإتصال الهاتفي الذي جرى في غضون الأزمة الراهنة بين بوتين ونتنياهو، للخروج بمبادرة اللحظة الأخيرة كما حدث سابقا في عام 2013 عندما جرى الإتفاق على تسليم المعدات الكيمياوية السورية وفقا لتسويات جرت برعاية روسية.
ومن ناحية أخرى نجد أن جميع الإستراتيجيات الأميركية الراهنة في المنطقة غير واضحة على الرغم من قدرتها على المناورة والوصول إلى تسويات بديلة قد تكون غير متوقعة سيما بعد تعثرها في العراق وسوريا، كونها ما زالت تمتلك أوراق عديدة تمكنها من إنهاء بعض الملفات بشكل دبلوماسي في ظل صيرورة تفاهمات تأمين المصالح الجديدة التي تؤسس لتسويات بديلة (التوجهات الإستراتيجية الجديدة بعد تغيير وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون ومستشار الأمن القومي هربرت مكماستر تمهيدا لفرض رؤى بديلة لإصلاح بنود الإتفاق النووي الذي وقعته إيران مع المجتمع الدولي على الرغم من عدم رضا الكثير من الأطراف الدولية عن ذلك)؛ إذ تريد الولايات المتحدة الأميركية تعويض الفشل الأميركي الحاصل حاليا في سوريا (محاولة تغيير شكل الشرق الأوسط بعد توجيه ضربة محدودة أو حتى رمزية سيما بعد الفيتو الروسي على مشروع القرار الأميركي في العاشر من نيسان عام 2018)، وهذا ما لحضناه عند مغادرة بعض السفن العسكرية الروسية قاعدة طرطوس البحرية للحفاظ على سلامتها سيما وأن روسيا لا تروم المجازفة في مواجهة غير محسوبة العواقب. أما الضربة الأميركية القادمة فستكون أن حصلت فهي بدافع الإبتعاد عن حالة الضعف التي تعاني منها، لتبقى على حافة حرب مسيطر عليها وبأتفاق مسبق ترمي إليه الأطراف الفاعلة في الساحة الدولية جميعا؛ أو على العكس كما أكده فلاديمير شامانوف رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس الدوما الروسي بأن الولايات المتحدة الأميركية سوف لن تقدم على توجيه أي ضربة عسكرية جديدة. وبين هذا وذاك تداعيات عدة من الصعب التكهن بها (الخطأ الإستراتيجي القادم في حالة التفكير بأحتلال سوريا أو حتى توجيه ضربة مركزة ومدمرة على النظام الحاكم)، في ظل إنعدام الإستقرار في منطقة الشرق الأوسط الذي أستمر مدة ليست بالقصيرة، وبدليل إستمرار صراع القوى الدولية والإقليمية على مناطق النفوذ والمصالح (مثلث الأزمات الراهن وتداعياته على أمن دول المنطقة عموما)؛ من أجل تأمين متطلبات الأستمكان والتحكم الجيو - إستراتيجي في هذا الجزء الحيوي من العالم حاضرا ومستقبلا.

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2018 Ⓒ



التعليقات
اضف تعليق

X