اعلى الصفحة
dfgdfgdgfd
X


   إستطاعت الدولة العراقية أن تغير الكثير من المعادلات الإقليمية والدولية التي فرضت نفسها على أرض الواقع بعد تداعيات أحداث الموصل في التاسع من حزيران عام 2014، سيما في ظل صدور فتوى المرجعية الدينية المتمثلة بسماحة السيد علي السيستاني من محافظة النجف الأشرف، وقد يتوقف التاريخ كثيرا أمام هذا الحدث الذي قد لا يتكرر إلا كل مائة عام حيثما يشاء القدر (كما حدث في فتوى المرجعية الدينية في بدايات القرن العشرين عندما قررت بريطانيا إحتلال العراق وعلى أثره تغيّرت الكثير من المشاريع، ليجري التفكير الجدي نحو الشروع في تأسيس الدولة العراقية الحديثة من دون تردد؛ سيما بعد إندلاع ثورة النجف عام 1918 ومن ثم ثورة العشرين التي جاءت كإحدى نتاجات الفتوى)، ليكون العراق محط أهتمام جميع دول العالم سيما في مرحلة ما بعد تحقيق النصر الكبير على الإرهاب الذي تحقق بفضل تضحيات أبناء شعبه في الجيش والأجهزة الأمنية والحشد الشعبي الذي تشكّل تلبية لنداء المرجعية الدينية في النجف الأشرف للذود والدفاع عن الوطن والمقدسات جميعا.
  لتبدأ مرحلة مواجهة حقيقية للتحديات مع تآزر الجهود شعبيا وحكوميا بدعم المؤسسة العسكرية العراقية والمتمثلة بجيشها وأجهزتها الأمنية وهيئة الحشد الشعبي، مع وجودة قيادة متكاملة أدارت تحديات المرحلة الراهنة بثبات وضمن رؤية وطنية (حكومة حيدر العبادي) التي جاءت بعكس التوقعات الأمريكية ومؤسسات البحث الإستراتيجية في الدول المتقدمة؛ حينما أعلنت عن صعوبة تحقيق الإنتصار على التنظيمات الإرهابية المسلحة ومنها تنظيم داعش الإرهابي بحسب تصوراتهم، لأن الأمر سيأخذ وقتا ربما يمتد لسنوات طوال في ظل ما طرحته أمريكا في خطتها عن إعادة الإنتشار وتطبيق إستراتيجية جديدة ضمن ما عرف بالحل المتأصل للإرهاب خلال الأعوام 2014 – 2016.
  من هنا يمكننا القول تمكن العراق وبثبات من إنتهاج سياسة متوازنة أستطاعت إدارة علاقات المنطقة بشكل فاعل بعد أن فتحت آفاق جديدة من التعاون مع دول الجوار الإقليمي جميعا، كجزء من الترتيبات الضرورية لتتوسع آفاق علاقات التعاون بشكل أكثر فاعلية بعد زيارة رئيس الوزراء حيدر العبادي في الثامن عشر من حزيران عام 2017 لدول الجوار الإقليمي مثل السعودية والكويت وإيران، من أجل ترتيب العلاقات وفقا لمعادلة منتظمة وواضحة تحترم سيادة كل دولة، لتستكمل في السياق نفسه بزيارات متتالية أخرى إلى تركيا وإيران في السادس والعشرين من تشرين الأول من العام نفسه. من دون أن تتأثر هذه العلاقات بالتنافس على إدارة ملفات المنطقة ذات الإشكاليات غير المحسومة وبخاصة ما يحدث حاليا بين السعودية وإيران المتداخلتان ضمن مناطق النفوذ الخليجية ومنطقة الشرق الأوسط على حد سواء، وهذا أمر طبيعي فقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية في الخامس من كانون الثاني عام 2018 دراسة عن طبيعة التناقضات الحاصلة على المستوى الدولي والإقليمي، بسبب تزايد معدل مؤشرات التنافس في محاور التكتلات الحاصلة ضمن أستقطابات وتحالفات غير واضحة. في الوقت الذي نشرت فيه صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية في الأول من كانون الثاني عام 2018 تحليلا سابقا يوضح فيه مسؤولية تأخر التحرك السعودي حيال تزايد مخاطر التنظيمات المسلحة المتشددة في المنطقة، التي تمددت ونشطت أكثر من ذي قبل خلال الخمس سنوات الأخيرة الماضية في ظل قيادتها للتحالف العربي في حرب اليمن حاليا. الذي بات اليوم على المحك وهو يهدد مستقبل وحدة اليمن ومستقبل شعبها أيضا، سيما بعد إحتدام الخلافات وحدوث أقتتال ومواجهات عسكرية في التاسع والعشرين من كانون الثاني عام 2018 بين القوات الحكومية المدعومة من السعودية والقوات الموالية للمجلس الإنتقالي الجنوبي في العاصمة المؤقتة حاليا في عدن (المجلس الإنتقالي الذي تشكل في الحادي عشر من آيار عام 2017)، الذي تدعمه دولة الإمارات العربية المتحدة على الرغم من التفاهمات الأخيرة التي أجراها الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي مع قيادات التحالف العربي.
لذا باتت مسؤولية الدولة العراقية أكبر من ذي قبل أيضا كي تؤدي دورا فعّالا في تنظيم علاقات دول الجوار الإقليمي كافة وما سواها ولمصلحة الجميع من جانب، مع الإقتراب من تركيا والأردن ومصر كدول إقليمية مهمة ولها تأثير كبير في أحداث المنطقة (ودول الخليج جميعا التي باتت أمام تحديات المنطقة نفسها والعالم أيضا) من جانب آخر. فضلا عن إستثمار فرص الدعم المقدمة من الدول المتقدمة في العالم، كونها بدأت تعاني من مخاطر ظاهرة الإرهاب الدولي الذي وصل إلى داخل دولها كما حدث من هجمات إرهابية في فرنسا وبلجيكا وألمانيا وتركيا وما سواها من الدول. من هنا أنفتح العراق على دول العالم أجمع في إطار علاقاته البينية وبدليل زيارة رئيس وزراء حيدر العبادي لفرنسا ولقائه للرئيس إيمانويل ماكرون في الرابع من تشرين الأول عام 2017، ثم أعقبها زيارة رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي للعراق في التاسع والعشرين من تشرين الثاني للعام نفسه؛ من أجل إستكمال متطلبات التعاون في جميع المجالات سيما الأمنية وإستثمار فرص ما بعد النصر.
ليبقى توازن القوة والتحكم بالبيئة السياسية الإقليمية والدولية مرهونا بمقاربات وتفاهمات القوى الكبرى أيضا لجعل منطقة الشرق الأوسط أكثر أمنا وإستقرار سيما في مرحلة ما بعد الإنتصارات التي تحققت في العراق وسوريا، ليكون وزن العلاقات المستقبلية ضمن رؤية ترجح قيمة عليا ومُثلى تبغي الحفاظ على مقومات الدولة القوية والمُضي في علاقات متوازنة تضمن الأمن والإستقرار لدول المنطقة والعالم أجمع.
أما الارتباك الأمريكي في المنطقة فقد بات واضحا منذ أن شهدت منطقتي دول الخليج والشرق الأوسط على حد سواء توترا غير مسبوق على الرغم من كونهما تشكلا العمق الإستراتيجي لعلاقات العراق إقليميا ودوليا، إذ ما زالت عوامل ومحددات الارتباك الأمريكي في هذه المنطقة الإستراتيجية واضحة، كونها ما زالت تصر على إدخالها ضمن حيز تخطيط الإستراتيجيات الكونية الأمريكية والدول الغربية الأخرى التي ترمي إلى إعادة تشكيلها وفق معادلة صعبة ومتشابكة (مشروع الشرق الأوسط الكبير ثم مشروع الشرق الأوسط الجديد بعد عام 2003) في ظل تحالفات إقليمية ودولية متباينة وذات مصالح متداخلة. مع ظهور تنافس لقوى دولية وإقليمية متعددة أخرى في المنطقة لتكون بالضد من التوجهات الإستراتيجية الغربية والأمريكية حصرا، كما هو الحال في روسيا والصين أيضا بسبب مزايا تفوقها ونموها الإقتصادي، ومن ثم تحديات أزمة الملف النووي في كوريا الشمالية، يُضاف إلى ذلك تداخل مصالحها مع فواعل إقليمية أخرى مثل تركيا وإيران ومناطق أخرى تقع بالقرب من جوارها الجغرافي جورجيا وأوكرانيا وفرض السيطرة الروسية الكاملة على شبه جزيرة القرم في السابع والعشرين من شباط عام 2014، بسبب الرغبة في تشكيل رؤية جديدة لتحالفات إستراتيجية تؤسس لعلاقات جديدة لم يعد بالإمكان تجاهلها في ظل تراجع دور الولايات المتحدة الأمريكية في حسم أبرز قضايا العصر التي أولت لها أهتمام منذ أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 عندما أعلنت الحرب الكونية ضد الإرهاب. ناهيك عن تناقض مسارات العلاقات العربية – العربية بين الحين والآخر بسبب الأزمات المتتالية في المنطقة، كما هو الحاصل في أزمات وحروب كل من سوريا وليبيا واليمن ومناطق أخرى من العالم، فضلا عن الأزمة الخليجية - الخليجية الأخيرة مع دولة قطر التي فرض عليها حصار من دول الجوار الجغرافي المتاخمة لها منذ الخامس من حزيران عام 2017، لأسباب تتعلق بتداعيات الإتهامات الموجهّة مؤخرا إلى دولة قطر في ضلوعها بدعم الجماعات الإرهابية المسلحة وما سواها من القضايا الأخرى التي باتت محل الخلافات المتبادلة فيما بينهما. من هنا تحركت دولة قطر نحو الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الحوار الإستراتيجي الذي أجرته مؤخرا في العاصمة واشنطن مع وزارة الخارجية الأمريكية في الثلاثين من كانون الثاني عام 2018، ليؤسس آفاق جديدة في التفاهمات المستقبلية للعلاقات فيما بينهما في ظل الوساطة الكويتية التي نجحت مسبقا في عقد قمة مجلس التعاون الخليجي الثامنة والثلاثين في الخامس من كانون الأول عام 2017 كمحاولة للخروج من الأزمات والتحديات الراهنة التي تواجه المنطقة بشكل عام.
  بمعنى أن الخشية والهواجس الأمريكية بدأت تتعاظم في ظل ظهور منافسين أقوياء لها في المنطقة، مما دفع بالولايات المتحدة إلى أن تعلن البحث عن وجود دائم لها في سوريا في ظل تأكيدات نشرتها صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية في الخامس والعشرين من كانون الثاني عام 2018 على أن البقاء الأمريكي في سوريا مخالف للقانون الدولي. على الرغم من أن مسارات الأوضاع قد توضحت مسبقا في مقال تحليلي نشرته صحيفة الاوبزيرفر البريطانية في الحادي والعشرين من كانون الثاني عام 2018، حينما وصفت الأوضاع بأنها تمر بمرحلة خطرة وهي أخطر من سابقاتها مع تأكيد أمريكي على البقاء بشكل دائم في شمالي سوريا حيث النفط والغاز وموارد طبيعية أخرى حصرا.
  ومن حالات الإرتباك الأخرى نجدها في خطاب الرئيس الأمريكي خلال قمة المنتدى الإقتصادي العالمي الذي عقد في دافوس بسويسرا والتي إنطلقت في الثالث والعشرين من كانون الثاني عام 2018، إذ نشرت صحيفة الأندبندت البريطانية بأن خطابه كان الأضعف من بين قادة العالم وهو يقود بلاده نحو الهاوية، تأكيدا لما جاء في كتاب مايكل وولف ومستشار ترامب للشؤون الإستراتيجية السابق ستيف بانون (النار والغضب في داخل بيت ترامب الأبيض) الصادر في الخامس من كانون الثاني من العام نفسه، الذي أوضح فيه وجود صراع الأجنحة داخل الإدارة الأمريكية بعد أن أستند إلى (200) رأيا من جانب المشاركين معه في الحملة الإنتخابية أبان الإنتخابات الرئاسية الأمريكية. وقد حاول الرئيس الأمريكي منع نشر هذا الكتاب كونه يؤكد نقص الخبرة التي يتمتع بها ترامب كرئيس، وغيرها من الموضوعات التي مازالت مثار جدل كبير داخل الأوساط الرسمية وغير الرسمية في الولايات المتحدة؛ ولكنه لم يستطع مواجهة الرأي العام الأمريكي في ذلك، إذ أكد بانون في هذا الكتاب على قيام أبن الرئيس الأمريكي ترامب جونيور بإقامة علاقات وأتصالات خاصة مع الكرملين في روسيا؛ فضلا عن دوره في إنشاء مراسلات مع موقع ويكيليكس التي طلبت منه حسب ما نشرته المجلة (The Atlantic) الأمريكية تزويدها بالمعلومات والوثائق، وفقا لما نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في الرابع عشر من تشرين الثاني عام 2017، ودوره من أجل الترويج عن ما حدث بعد قيام الموقع بتسريب رسائل البريد الإلكتروني لمرشحة الرئاسة هيلاري كلينتون في حينها.
  ليأتي الإرتباك الآخر في المواقف من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيضا عندما حدد موقفه من القدس من أجل أستبعادها من محاور مفاوضات السلام، وذلك بعد لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي نشرته صحيفة القدس العربي في العشرين من تشرين الثاني عام 2017، التي أعلنت على أن الرئيس ترامب أكد عزمه في تعليق مساعدات تقدر بمئات الملايين من الدولارات عن الفلسطينيين؛ من أجل الضغط عليهم وإجبارهم في العودة إلى محادثات سلام برعاية أمريكية؛ ليُستكمل بلقاء آخر للرئيس ترامب مع رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو جرى في السادس والعشرين من كانون الثاني عام 2018، ليؤكد فيه مرة ثانية صحة قراره بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وفقا لتصوره ورؤيته الخاصة. على الرغم من الرفض الدولي الواسع لهذا القرار وقيام الجمعية العامة للأمم المتحدة بإصدار قرارها في الحادي والعشرين من كانون الأول من العام نفسه بأغلبية (128) دولة صوتت لصالحه، والذي يطالب الجميع بعدم تغيير طابع مدينة القدس الشريف أو مركزها أو تركيبها الديموغرافي، وأي قرار يصدر وفقا لذلك يُعّد ملغيا وليس له أي أثر قانوني.
  من هنا نجد أن صعود أو هبوط قوة إقليمية في المنطقة يعود إلى معادلة (بناء المقومات وتداعيات المعوقات والتحديات) التي تحدد فرص كل دولة، بمعنى قدرة الدولة على تحمل القيادة والتي تتمثل في تنامي مقومات القوة التي تمتلكها (سياسيا، إقتصاديا، وعسكريا وما سواها من المقومات)، ليكون مؤشر إستقرارها السياسي والأمني عامل حاسم في التأثير. ناهيك عن رصيدها القيادي التأريخي ونفوذها الحضاري (الثقافي والديني) وموقفها من القضايا المحورية في المنطقة (القضية الفلسطينية، حركات المقاومة الفاعلة إقليميا، الملف النووي الإيراني، أحداث الربيع العربي وغيرها من القضايا المعاصرة)، لتبقى أمامنا قضية القبول بالدور الإقليمي القيادي ومجالاته لدى كل دولة لتحليل شكل علاقاتها مع بعضها البعض ومع القوى الدولية الصاعدة كروسيا والصين على حد سواء.
  لذا رأت الكثير من دول المنطقة ومنها دول الخليج أن تعاونها مع العراق يكسبها خبرة ويرفد صنّاع القرار الخليجي بالتوصيات والخيارات التي يمكن أن تحمي أنظمتها السياسية من أية نتائج أو تداعيات قد يفرزها المشهد السياسي العراقي (التحولات الديمقراطية الحاصلة بعد عام 2003)، وكذا الحال بالنسبة للمشهد الأمني الراهن (إنتصارات العراقيين الكبيرة الراهنة على الإرهاب) الذي بات محفزا لإستكمال آفاق التعاون السياسي والأمني والإستخباري وما سواها من مجالات بين دول الجوار الإقليمي للعراق جميعا، من أجل مكافحة ومحاربة ظاهرتي الإرهاب والغلو والتطرف الفكري المتلازمتين منذ مدة؛ والبدء في تنفيذ مشاريع مستقبلية تعاونية تتجاوز التحديات الراهنة وتعمل على تمكين الإستقرار والأمن في المنطقة عموما. بمعنى إستثمار خيارات مرحلة ما بعد النصر حاضرا ومستقبلا من أجل صيرورة أنماط جديدة من العلاقات البينية المنتظمة التي تضمن معادلة الاستقرار والأمن في منطقتي الخليج والشرق الأوسط على حد سواء، كونه يدخل ضمن أولويات الفهم والادراك الإستراتيجي العراقي حيال أي دولة تنشد علاقات إقليمية ودولية متوازنة ومتزنة؛ بعيدة عن سياسات المحاور والإستقطابات المحورية شديدة التمركز على المصالح الآنية الخاصة التي تلحق الضرر بمستقبل علاقات دول المنطقة عموما.

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2018 Ⓒ



التعليقات
اضف تعليق

X