اعلى الصفحة
dfgdfgdgfd
X


   لا تزال الحياة السياسية في العراق بعد 14عام وتسعة أشهر من سقوط النظام الإستبدادي في طورها البدائي، يلاحظ ذلك في مجالات واسعة وخصوصا مع قرب الإنتخابات الوطنية والمحلية بعد كل دورة برلمانية، يعود ذلك إلى أسباب عديدة منها: غياب الثقافة السياسية والديمقراطية لترسخ رواسب الإستبداد في أذهان الناس في العراق لعقود طويلة، وعدم أهتمام المؤلفات الفقهية التقليدية -المتسيدة ظاهريا على المجتمع العراقي- بالآليات الحديثة المنظمة للحياة السياسية إذ لم يكن هناك بعد تنظيمي في فقه المعاملات وغياب فقه الدولة بالمنظور الحديث، إذ لم يكن لمفردة الإنتخابات (بمعنى مشاركة الجماهير في إختيار حكامهم وممثليهم في المجلس النيابي) أي ذكر في المؤلفات الفقهية التقليدية، حيث أن الفكر الديني له طرائق متشعبة في إختيار الحاكم تختلف من مذهب إلى آخر دون الخوض في طرائق إختيار الحاكم وفق المقولات الدينية والفقهية التقليدية لننتقل إلى آليات إختيار السلطة التشريعية والتنفيذية وفق الطريقة الوضعية المعروفة اليوم دستوريا بالتداول السلمي للسلطة (الإنتخاب) وفق النظرية الديمقراطية الحديثة، لكن في العراق الجديد -كما يحب أقطاب السلطة أن يسموه- لم تترسخ الآليات الحديثة في الوصول إلى السلطة ثقافياً ومؤسساتياً من الوعي الإنتخابي إلى البرامج الإنتخابية وإنتخاب الكفاءة وما إلى ذلك من تقصير وفساد الأعضاء المنتخبين، بينما تتصاعد الفتاوى الفقهية بين الرافضة للمشاركة في الإنتخابات الوطنية والمحلية والداعمة لها، فعلى صعيد الفقه الشيعي ذهبت مرجعية السيد السيستاني بعد سقوط النظام الإستبدادي إلى دعم العملية السياسية ودعوة الناس إلى المشاركة في كل الفعاليات السياسية منها بلزوم إجراء الإنتخابات لتشكيل المجلس التأسيسي لكتابة الدستور، وحث الناس على المشاركة بالإستفتاء على الدستور ودعوتها أيضا إلى المشاركة الفاعلة مع قرب كل إنتخابات محلية كانت أو وطنية عامة، حيث أكد السيد السيستاني في أكثر من مناسبة: "إن الإنتخابات هي الطريقة المثلى لتمكين الشعب العراقي من تشكيل حكومة ترعى مصالحه" (م. النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني، ص96)، ورغم التشوهات التي طرأت على العملية السياسية أعتقد السيد السيستاني بأهمية الإنتخابات النيابية ففي إجابته عن سؤال عن موقف المرجعية الدينية تجاه المشاركة في الإنتخابات النيابية السابقة، وهل تختلف نظرتها إليها عما كان عليه في الإنتخابات الماضية؟ أجاب السيد السيستاني: "إن هذه الإنتخابات لا تقل أهمية عن سابقتها وعلى المواطنين رجالاً ونساءاً أن يشاركوا فيها مشاركة واسعة ليضمنوا حضوراً كبيراً وقويا للذين يؤتمنون على ثوابتهم ويحرصون على مصالحهم العليا في مجلس النواب". (م. النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني، ص144)، ومع كل حالات الفساد والعبث بالمال العام وسوء الإدارة وتذمر السيد السيستاني شخصياً من الطبقة الحاكمة وأن إغلاق مكتبه الشخصي ورفض أستقبال أي مسؤول سياسي منذ بداية الولاية الثانية لنوري المالكي وإلى اليوم لا تزال مرجعية السيد السيستاني تصر على التغيير الناعم عبر الإنتخابات أي أنها ترى بضرورة المشاركة الشعبية في الإنتخابات المقبلة كما كانت في دعوتها إلى المشاركة بالإنتخابات فهي توصي بالوعي ولا أضن أن تلجأ إلى الفتوى في تحريم المشاركة في الإنتخابات أو تحريم إنتخاب الفاسدين، إلا أنها تنوه ببيانات وخطب الجمعة بين الحين والآخر إلى ضرورة إنتخاب الأكفأ والأفضل والأنزه. ويقترب من هذا الرأي بصورة واضحة الشيخ محمد إسحاق الفياض وكذلك لا يزال الفقيهين السيد محمد سعيد الحكيم والشيخ بشير النجفي يدعمان المشاركة في الإنتخابات وهما الأقرب من بعض الجهات والشخصيات السياسية الإسلامية، في حين يقول مكتب السيد السيستاني بأنه يقف بمسافة واحدة مع كل المرشحين مع إعلان رغبته بعدم التجديد للمفسدين وفق قاعدة: (المجرب لا يجرب). أما الراحل السيد محمد حسين فضل الله فرجح المشاركة أيضا في الإنتخابات بالنسبة للعراق، وفي لبنان حسب توقف ما أسماها مصالح المسلمين في المشاركة في إنتخاب المجلس النيابي.
ومن جهته ألزم السيد صادق الشيرازي على الجميع المشاركة بالإنتخابات، قائلاً: "إن وصول الشعب العراقي الكريم إلى حقوقه المشروعة متوقف في الوقت الراهن على إجراء الإنتخابات فيلزم على الجميع المشاركة فيها"، والإنتخابات بذلك عنده من اللوازم الضرورية. في حين كانت هناك فتاوى لرجال دين متحفظة على العمل السياسي في العراق، بينما ذهب رجل الدين وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بمناورة التيارات الوضعية من العلمانيين والشيوعيين عبر تشكيل تحالف إنتخابي (سائرون للإصلاح) يجمع ما بين القوى الشيوعية والمدنية العلمانية، الخطوة التي أقدم عليها بعض رجال الدين الشيعة المتنورين كالسيد رحيم ابو رغيف في تحالفه مع قوى مدنية وعلمانية في تحالف إنتخابي تحت عنوان (تقدم). في حين كرر الشيخ جواد الخالصي دعوته لمقاطعة الإنتخابات وتأثيم من يشارك بها وهو كان من أشد المعارضين للعملية السياسية في العراق، وجاء في بيانه: "من يذهب هذه المرة إلى الإنتخابات يؤكد أنه أحمق وجاهل، ويخون البلد خيانة عملية"، مؤكداً أن "الإنتخابات المقبلة أكثر زيفاً وخداعاً من الإنتخابات السابقة، ولا مجال لخداع الناس مرة أخرى، ومن يشارك فيها فهو آثم بشكل قطعي". وأنتقد الخالصي "التحالفات الأخيرة ووصفها بالبائسة ولا فائدة منها أبداً، متسائلاً ومشككاً عن معنى أن يتحالف الإسلاميون مع الشيوعيون، والإصلاحيون مع الفاسدون، والوطنيون مع الخونة" (في إشارة ضمنية إلى تحالف الصدريين مع المدنيين والشيوعيين، ورجال دين آخرين مع قوى مدنية)، ولفت الخالصي إلى أنه "لا فائدة من الإنتخابات في العراق إلا أن تكشف عن حقيقة هؤلاء وكمية وجودهم وقيمتهم". وتابع الخالصي: "الحل يكون بفضح هذه الإنتخابات، بأن لا يخرج الناس من بيوتهم في يوم الإنتخابات، فمن يشارك في تبرير الحالة السلبية القائمة مرة أخرى سيدخل العراق في متاهات جديدة، ويتحمل مسؤولية ذلك أمام الله تعالى إلى يوم القيامة"، والمعروف عن أراء الشيخ الخالصي بأنها الأقرب إلى فقهاء السُنة المعارضين للعملية السياسية في العراق، خاصة تلك التي إتخذها فقهاء هيئة علماء المسلمين (السُنة) بزعامة الشيخ حارث الضاري الذي حرم العمل السياسي ودعا أهل السنة في أكثر من مناسبة إلى مقاطعة كل الإنتخابات التي أجريت بعد سقوط النظام الإستبدادي.

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2018 Ⓒ



التعليقات
اضف تعليق

X