اعلى الصفحة
dfgdfgdgfd
X


   جرت العادة في العقود الأخيرة عندما تكون هناك دراسة أو مقالة تتناول إيران إلى جانب أي دولة عربية فغالباً ما يكون البيان عن دور إيران وإستراتيجيتها الخارجية في المنطقة العربية أو التخوف من برنامجها النووي أو مسائل أخرى كعلاقة إيران المتوترة بالولايات المتحدة، وإسرائيل، والسعودية أو مشاكل حدودية بين إيران وجيرانها من الدول العربية، أو لدوافع تتعلق بالجوانب الداخلية في إيران كالإنتخابات الرئاسية أو مسائل أخرى كإندلاع إحتجاجات شعبية بين فترة زمنية وأخرى، والسبب في ذلك يرجع إلى حدة الصراع الدائر في الشرق الأوسط بين محاور متعددة منها المحور الإيراني، والمحور العربي الخليجي بقيادة السعودية، لكن مع أواخر شهر كانون الأول، وبداية كانون الثاني من العام الجديد 2018، شهدت إيران إحتجاجات شعبية مطلبية، ثم بعد أيام قليلة تكررت الحالة في تونس في تقارب ملحوظ على مستوى الفاعلين (الجمهور الغاضب)، والمطالب (رفع المستوى الإقتصادي، وتوفير فرص العمل، وتخفيض الضرائب، والتنديد بأرتفاع الأسعار، والفساد الحكومي، وشعارات سياسية مضادة للحكومتين)، وعلى مستوى التوصيف الرسمي (إتهامات تتعلق بدعم وتحريض خارجي للمحتجين، والتوجس من إنتشار الفوضى والإرهاب)، رغم إن البلدان مختلفان من حيث شكل النظام السياسي، والتركيبة الإجتماعية والقومية، والموقع الجيوسياسي.
  إيران اليوم هي وليدة ثورة شعبية أسقطت حكم الشاه في عام 1979 وأستلم الإسلاميون الحكم بقيادة السيد الخميني، وفق نظرية (ولاية الفقيه) التي أعتمدها الدستور الإيراني الجديد، لتكون هذه النظرية محصنة بالشرعية القانونية (الدستور) مدعومة من الجانب الشرعي (الفقه الشيعي)، أما تونس فكانت آنذاك تحت حكم زين العابدين بن علي الموصوف بالدكتاتوري، فبينما شهدت تونس في حقبة زين العابدين بن علي إقصاء للحياة الحزبية والمعارضة السياسية كالحزب الإسلامي الإخواني الأبرز المتمثل بـ(حركة النهضة) بقيادة الشيخ راشد الغنوشي، من جانب ثاني عرفت إيران بعد سنوات من الحكم الجمهوري الإسلامي وفق نظرية ولاية الفقيه معسكرين إسلاميين سياسيين أحدهما المعسكر المحافظ، وثانيهما المعسكر الإصلاحي، وقد تباين حكم المعسكرين في إيران عند الجمهور الإيراني بأستثناء حكم الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي أعتبر فترة ذهبية على مستوى السياسات الداخلية، والإنفتاح الخارجي بعالميه العربي والغربي، وبعد صعود محمود احمدي نجاد كقطب من أقطاب المعسكر المحافظ إلى رئاسة إيران في أغسطس عام 2005 ثم تكرر له ذلك كولاية ثانية في إنتخابات عام 2009 أثيرت حفيظة المعسكر الإصلاحي لاسيما المرشحين الإصلاحيين البارزين مير حسين موسوي، ومهدي كروبي، وأندلعت إحتجاجات إصلاحية كبيرة تندد بما وصفته بتزوير الإنتخابات لصالح المعسكر المحافظ، وفشل السياسات الداخلية والخارجية لرئيس احمدي نجاد، حتى سميت إحتجاجات عام 2009 من قبل أنصار المعسكر الإصلاحي بـ(الثورة الخضراء). وبعد تدخل المرشد الأعلى علي خامنئي لصالح الإفرازات الإنتخابية الرسمية أعادت الساحة السياسية والإجتماعية الإيرانية إلى طبيعتها، في حين شهد العالم العربي بعد عامين من الإحتجاجات الإيرانية ما سمي في الدوائر الغربية بـ(الربيع العربي) مع الشهر الأول من عام 2011 وقد أنطلقت شرارتها الشعبية من تونس (ثورة الياسمين) ثم أنتقلت إلى مصر، واليمن، وليبيا، وسوريا، وبعد تنازل الرئيس زين العابدين بن علي عن السلطة في تونس بفعل الضغط الشعبي الكبير، أنتقلت تونس إلى حياة سياسية ديمقراطية ناشئة، وكانت تجربتها السياسية الجديدة التجربة العربية الوحيدة الناجحة من التجارب العربية الأخرى التي شهدت ثورات شعبية في عام 2011، وبعد دورة إنتخابية فاز بها المنصف المرزوقي أنتخب الباجي قائد السبسي في عام 2014رئيساً جديداً لتونس فيما حققت حركة النهضة فوزاً كبيراً على مستوى السلطة التشريعية فتولى يوسف الشاهد أحد قيادات حركة النهضة رئاسة الحكومة، في عملية توافقية بين الحزبين (نداء تونس بقيادة السبسي) و(النهضة بقيادة راشد الغنوشي)، في الوقت الذي جدد فيه الإيرانيين الثقة للشيخ حسن روحاني لقيادة إيران بولاية ثانية في عام 2014، والرئيس حسن روحاني هو رجل وسط ما بين المعسكرين المحافظ والإصلاحي ولعله الأقرب إلى المعسكر الإصلاحي، والمدعوم في تلك الفترة بصورة مباشرة من رئيس مصلحة النظام آنذاك الراحل الشيخ هاشمي رافسنجاني، أختير روحاني لهذا الموقع لسد الثغرة في النظام السياسي والإجتماعي، وإنهاء أزمة الإحتجاجات الشعبية بعد رئاسة احمدي نجاد لإيران، وقدرة روحاني بما يمتلكه من خبرة في تعقيدات مفاوضات ملف النووي الإيراني مع الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية. وهي مسألة نجح بها روحاني وبمساعدة وزير خارجيته جواد ظريف في الوصول إلى توقيع أتفاق حول الملف النووي الإيراني بل شهدت أيضا تفاهمات غير مباشرة ما بين روحاني وأوباما لرفع العقوبات عن إيران، ومشاركتها بالحرب على الإرهاب (بعد سيطرة داعش على مناطق واسعة في سوريا والعراق) كاعتراف بنفوذ إيران الإقليمي، ومع صعود إدارة جديدة في واشنطن برئاسة دونالد ترامب أختلفت الموازين والنهج الأمريكي وأصبح الملف النووي مهدد بإلغائه، وأزدادت العقوبات الإقتصادية على إيران، وإنحاز ترامب للسعودية في صراعها مع إيران حول عدد من الملفات كالنفوذ الإقليمي، وهو ما أثار جدل في دخل إيران خصوصا من المعسكر المحافظ عن جدوى المفاوضات بين إيران والدول الغربية والولايات المتحدة، وبدأت حدة الإحتجاجات ترتفع مع إنخفاض العملة الإيرانية، وإرتفاع الأسعار، وإنتشار البطالة، والصراع الحزبي بين المعسكر المحافظ والمعسكر الإصلاحي. كل تلك العوامل لخصها أحمد توكلي رئيس مجلس الإدارة لمنظمة مراقبة الشفافية والعدالة ومن الشخصيات الأصولية في إيران في مقابلة مع وكالة فارس للأنباء، أنّ الإحتجاجات كانت نتيجة لثلاثة عوامل: الأول، إتخاذ سياسات التكيف الإقتصادي القاسية لصندوق النقد الدولي، والثاني ضعف الحكومة والمسؤولين في حل المشاكل الإقتصادية، والأخير تجنب الشفافية والمساءلة عن القرارات المتخذة من قبل الحكومة. بالمقابل كان رد الجانب الرسمي الإيراني على مستويين: الأول يمثله الرئيس الإيراني حسن روحاني حيث نقلت وكالة تسنيم الإخبارية عن روحاني قوله: "سيكون تحريفا (للأحداث)، وكذلك صفعة للشعب الإيراني، والقول إن مطالبه كانت إقتصادية فقط". وأضاف "الشعب له مطالب إقتصادية وسياسية وإجتماعية". وقد فسر هذا التصريح بالمتعاطف مع الجمهور المحتج لكون روحاني يدرك أن قسماً كبيرا من المحتجبين كانوا يمثلون قاعدته الإنتخابية، في حين كان الرد الثاني الذي يمثله المرشد الأعلى، والمسؤولين الأمنيين، وعدد من القادة في الحرس الثوري بأتهام المحتجين بتمثيل أجندات خارجية وتلقي دعم مباشر من السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية، والمعارضة في الخارج. لغرض ضرب إيران من الداخل، والتخلي عن نفوذها الإقليمي، ودعمها للنظام بشار الأسد في سوريا، وحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وبعض فصائل الحشد العقائدية في العراق وسوريا.

  أما إحتجاجات تونس الأخيرة في باجة، وسوسه، وطبربة فشهدت عنفاً ما بين المتظاهرين ورجال الأمن لكنها كانت أقل من حجم العنف الذي رافق الإحتجاجات في إيران، فهي أيضا مطلبية، ورفعت شعار الكرامة، وتخفيض الضرائب تحت  شعار (مفيش نستناهم) أو (ماذا ننتظر؟)، بالمقابل أكدت الحكومة والرئاسة في تونس على مشروعية التظاهر لكن حذرت من أن تؤدي هذه المظاهرات إلى أنتشار الفوضي، ودخول الإرهابيون لا سيما من ليبيا الدولة المجاورة لتونس، وكذلك التحذير من أستغلال هذه المظاهرات من قبل الإرهابيين العائدين من مناطق التوتر والنزاعات. وعليه يمكن تمييز شكل الإحتجاجات ودوافعها في إيران وتونس عن سابقاتها بمايلي:
1- في إيران بقدر ما كانت إحتجاجات عام 2017 إقتصادية ومطلبيه والمطالبة برفع المستوى المعيشي فأنها أيضا كانت سياسية، وتجاوزت قدسية رأس الهرم السياسي والديني في إيران بعد أن رفع المحتجين شعارات أمثال (كلا للدكتاتور)، في حين كانت الإحتجاجات السابقة تأخذ طابع التنافس الحزبي ما بين المعسكر المحافظ، والمعسكر الإصلاحي، إذ يبدو أن الإحتجاجات الأخيرة أفرزت جيل جديد من غير المحافظين والإصلاحيين، وكذلك عن المعارضة الإيرانية التقليدية في الخارج، في حين كانت الإحتجاجات الأخيرة في تونس تؤكد أيضا على العيش بكرامة، وتخفي العبئ الإقتصادي عن كاهل المواطن التونسي، وإنتقاد التحالف الثنائي ما بين السبسي والغنوشي، والدعوة إلى أستقالة الحكومة التونسية بقيادة حركة النهضة.
2- الهاجس الأمني، والخوف من إنتشار الإرهاب، والتحريض من الخارج كان حاضراً في خطاب الجهات الرسمية في كلا من إيران وتونس، إذ حذر الجانب التونسي من مخاطر تحويل تونس إلى ليبيا ثانية، في حين كانت إيران على علم برغبة جهات إقليمية كالسعودية وجهات دولية كالولايات المتحدة بتحويل إيران إلى حالة من الفوضى تشبه الحالة التي تعيشها سوريا الحليف العربي المدعوم من إيران.
3- حجم إحتجاجات عام 2017 ورقعة إنتشارها، وثقلها الإعلامي وبما تشهده منطقة الشرق الأوسط من أضطرابات سياسية وأمنية قريبة جغرافياً لكلا البلدين (إيران وتونس)، فأنهما أمام إختبار حقيقي لصانعي القرار لوضع حلولاً إقتصادية سريعة، وتجاوب على مستوى الإصلاحات السياسية الداخلية وربما مراجعة الإستراتيجية الخارجية، بما يجعل كلا البلدين محصنين من التدخلات الخارجية خصوصا وأن إيران أخطر من تونس لكونها تخوض صراعاً سياسياً وأمنياً مع المحور الخليجي بقيادة السعودية والداعم لأي تحرك شعبي وأمني (قومي كان أو سياسي) داخل إيران كما سبق وأن صرح ولي العهد في السعودية، وخطورة الإحتجاجات الجديدة في إيران تكمن بطبيعة المنتقلة من التنافس الحزبي والصراع على رئاسة الجمهورية ما بين الأجنحة الرئيسية إلى إنتقاد الولي الفقيه والنيل من قدسيته بالمنظور الشيعي الفقهي المحافظ، ودوره في النظام السياسي الإيراني.

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2018 Ⓒ



التعليقات
اضف تعليق

X