اعلى الصفحة
dfgdfgdgfd
X


للكاتب: Kamran Bokhari

    الآن، بعد أن أجبر تنظيم الدولة (داعش) على الخروج من الموصل يبدو أن سُنة العراق وقادتهم  التاريخيين يخرجون من الظل، فقد عقد القادة السُنة مؤتمر في بغداد بتاريخ 17 حزيران، لمناقشة مستقبل مجتمعهم، وكان من بين الحاضرين كتل سياسية وزعماء قبائل ومشرعين ووزراء ومحافظين. وكان من المتوقع أن تكون القوى السياسية الشيعية التي تسيطر على الحكومة قلقة بشأن التجمع، ولكن الأهم من ذلك هو أن الإجتماع أظهر الإنقسامات داخل المجتمع السُني العراقي.
  إن عدم الترابط والإنسجام بين العرب السُنة الذين يشكلون غالبية سكان الشرق الأوسط وهم الآن في قلب فوضى المنطقة، هذه الخلافات بين العرب السُنة أتسعت منذ إنتفاضة عام 2011 في المنطقة، والتي أتاحت المجال لظهور جماعات مثل تنظيم الدولة (داعش)، إن إستمرار التعارض والخلاف بين العرب السُنة سوف يؤدي إلى إستمرار حالة الصراع في منطقة الشرق الأوسط.

الأغلبية الضعيفة

  منذ أن أسس البريطانيون العراق كدولة ذات سيادة في عام 1920، سيطر العرب السُنة عليها، حيث جاؤوا أولا بالنظام الملكي الهاشمي الذي أطيح به في عام 1958، وحل محله نظام جمهوري يسيطر عليه حزب البعث والجيش، وعلى الرغم من أن الشيعة يشكلون غالبية السكان في العراق، فإن هذا النظام الذي يقوده السُنة تمكن من البقاء على قيد الحياة لأنه قمع جميع أشكال السياسات الدينية حتى عام 2003، ولقد تراجع تأثير النظام القديم عندما أطاحت الولايات المتحدة الأمريكية بحزب البعث وصدام التكريتي، حيث برز الشيعة والأكراد العراقيين بدلا من نظام صدام للسيطرة على النظام الديمقراطي الجديد الذي سعت واشنطن لبناءه، قاوم السُنة في البداية الجمهورية الجديدة، ولكن المقاومة أنقسمت وإنهارت على نفسها، ولم يعد السُنة العرب متحدين في ظل حزب البعث، هذا الإنقسام للسُنة كانت على طول الخطوط القبلية والإيديولوجية والحزبية، وقد سمح الخلاف للشيعة بتعزيز سلطتهم، ولكن مجموعة أخرى أستفادت من ذلك الوضع وهم الجهاديون، فمع مرور الوقت، نما الجهاديون بقوة وأصبحوا أكثر قوة بين السُنة العراقيين، ما ساعد في بروزهم، إستغلال الشيعة للخلافات الداخلية بين السُنة العرب في العراق.
  إنضم بعض السُنة إلى النظام السياسي الذي يهيمن عليه الشيعة، في حين عارضه آخرين. أدت الجهود الشيعية لتهميش السُنة وتقويض القوى الرئيسية داخل المجتمع السُني إلى قيام أسلاف الدولة الإسلامية (داعش) بملئ الفراغ، وحصل مشروع الخلافة العابر للوطنية على قبول بين السُنة العرب، مما دفع القوى السياسية التقليدية التي لا تزال تأمل أن تكون جزءاً من الحكومة الوطنية العراقي إلى خارج المجتمع السُني.
وكانت الظروف مماثلة في سوريا عندما أندلعت الإنتفاضة الشعبية التي فتحت الطريق للحرب الأهلية، وكان المتمردون في الغالب من السُنة، ولكنهم أنقسموا بشكل عميق في مختلف المجالات بأستثناء رغبتهم في إسقاط حكومة بشار الأسد، لكن جانبا من الإنقسام السُني السوري الذي لا يحظى بأهتمام كبير هو أن عددا  كبير من السُنة لم يرفضوا الإنضمام إلى التمرد فحسب، بل ما زالوا يدعمون نظام الأسد الذي تهيمن عليه الأقلية العلوية وهي فرع من الشيعة. كان الجهاديون في العراق في وضع جيد لإستغلال الإنقسامات بين الأغلبية السُنية في سوريا، وبالنظر إلى أن الدولة الإسلامية (داعش) في العراق كانت أكثر خبرة وتنظيما من أي فصيل من فصائل المتمردين السوريين، فإنها سرعان ما أستولت على الأراضي في شرق سوريا. بحلول عام 2013، حولت الدولة الإسلامية (داعش) في العراق الدولتين المجاورتين إلى ساحة قتال واحدة، غيرت أسمها إلى الدولة الإسلامية في العراق وسوريا لتعكس الواقع الجديد في العام التالي، بأستخدام عمقها الإستراتيجي عبر الحدود والفوضى داخل الطائفة السنية العراقية، أستولت الجماعة على الموصل، وأعلنت إعادة تأسيس الخلافة وتم  تسميتها بالدولة الإسلامية.

إلى أين سيقود ذلك؟

   بعد ثلاثة سنوات تم إخراج تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من الموصل ودفعه إلى موطنه الصحراوي الريفي، وليست هذه هي المرة الأولى التي يضعف فيها الجهاديون في العراق، ولكنهم يواصلون العودة -عادة ما تكون أقوى- وذلك لأن الظروف الإجتماعية والسياسية والإقتصادية التي سمحت لتنظيم داعش بالظهور في المقام الأول لم تتحسن. والواقع أن هذه الظروف مهيأة لتزداد سوءاً. وإن الطوائف الدينية والعرقية في الشرق الأوسط تنمو أكثر فأكثر لتكون أكثر إستقطاباً، كانت تكلفة تحرير الموصل قد تمثلت لأول مرة في تاريخ العراق بأن تخضع معظم المدن السُنية لسيطرة قوة عسكرية معظمها من الشيعة، إنها مسألة وقت فقط قبل أن يوجه السُنة العرب إزدرائهم من تنظيم داعش نحو الشيعة الذين يحتلون الآن الأراضي التي كانت تاريخياً تحت سيطرتهم.
إن التنافس الشيعي - السُني يقوم بعمل جيد لشرح سبب وجود مشكلة الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسوريا والمنطقة الأوسع، لكن الصراع الشيعي - السُني نفسه هو نتيجة مباشرة لإنقسامات السنة. بعد كل شيء الشيعة أقلية في العالم العربي. الطريقة الوحيدة التي يمكن للشيعة أن يعززوا كسبهم الجيوسياسية هي أن يكونوا تحت قيادة قوة إيرانية عرقية، إذ كان العرب السُنة  في الشرق الأوسط ولفترة طويلة ضعفاء ومنقسمون وأنهم أقرب إلى نقطة الإنهيار. حيث لا يوجد مركز سُني عربي جذاب.
  المملكة العربية السعودية، أغنى لاعب، تحاول عرض قيادتها، لكن مصدر قوتها يتراجع بأنخفاض أسعار النفط الذي يعتبر الشريان الحيوي لأقتصادها، حتى لو لم يكن الأمر كذلك، فقد أعتمد السعوديون تاريخياً على الولايات المتحدة لضمان أمنهم الوطني فكيف يمكن أن يوفروا الأمن الإقليمي وحماية مصالح العرب السُنة إذا لم يتمكنوا من حماية أنفسهم؟، وتعتبر الحرب التي تقودها السعودية في اليمن مثالا بارزا عن عجز الرياض على فرض النظام في فنائها الخلفي. وربما المثال الأكثر وضوحا هو قطر، وهي دولة عربية خليجية صغيرة ترفض الخضوع إلى إستراتيجية المملكة العربية السعودية في المنطقة. ومصر هي القوة العربية السُنية الرئيسية الأخرى. وهي دولة أكثر قوة من المملكة العربية السعودية وتمتلك جيشا كبير. لكن الإقتصاد المصري ضعيف، فهو يعتمد فعليا على السعوديين وحلفائه العرب الخليجيين الآخرين. لكن المشكلة الأكبر هي أن هذه الدول لا تقدم أنموذجا سياسيا وإقتصاديا قابلا للتطبيق للعالم العربي السني.
  هذا الفقر في الفكر الذي سمح لداعش بتسويق أنموذج الخلافة للعديد من العرب السُنة في المنطقة، وواضح أن أغلبية مؤيديها هم من الشباب، على الرغم من أن قواتها المقاتلة دفاعية الآن، فإن تنظيم داعش سيبعث نفسه في شكل مقارب له أو شكل آخر، في حين أن العالم العربي السني – يعتبر القاعدة الرئيسة للدولة الإسلامية في توفير المقاتلين والدعم المطلوب، وهي القوة الوحيدة التي يمكنها أن تطغى إيديولوجياً، مع ذلك سوف تفشل في تجاوزها للممالك الدينية القديمة المتآكلة والأنظمة الجمهورية العلمانية.

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2017 Ⓒ



التعليقات
اضف تعليق

X