اعلى الصفحة
dfgdfgdgfd
X


   كان من المفترض أن تحمل المقالة عنوان (الدرع الصاروخي والسيف النووي في مواجهة السيف النووي) ربما كان ذلك قد يساهم في إيصال الفكرة حول الموضوع بطريقة مبسطة، لكن من أجل الإبتعاد بالمقالة عن الكتابة الإعلامية والأقتراب بها نحو الساحة الأكاديمية في مجال الدراسات الإستراتيجية حملت المقالة عنوانها الأساس، أما بالنسبة لجوهر الموضوع فهو تقديم قراءة لما يمثله الدرع الصاروخي بالنسبة للفكر والعقل الإستراتيجي الأمريكي وهي قراءة من خارج ذلك العقل، ولا أدعي إمتلاك القدرة على تقديم وصفاً دقيقاً لذلك ولكنها محاولة لابد منها.
لا يخفى على الجميع ما مثلته الطاقة النووية من تحول في المسيرة الإنسانية على الأرض، فإذا كان هذا الإكتشاف لمصدر جديد من الطاقة قد وفر للإنسانية الأمل في التقليل من الإعتماد على مصادر الطاقة التي في طريقها إلى النضوب، لكن الطاقة النووية في الوقت ذاته جعلت الإنسانية أمام خطر الفناء والذي تمثل في الإستخدام العسكري، وبالأخص بعد الإستخدام الأمريكي لهذا السلاح في الحرب العالمية الثانية، والذي إستطاعت أمريكا من خلاله أن تحسم الحرب مع اليابان لصالحها، وبالوقت نفسه أسهم هذا السلاح في إضافة قوة غير تقليدية للولايات المتحدة مكنتها من التقدم على الدول الأخرى ما دفع تلك الدول نحو السعي من أجل الدخول إلى النادي النووي، وبالفعل دخل الإتحاد السوفيتي السابق وبريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية إدراكا منها لأهميته العسكرية والسياسية والأمنية.
وإذا كان موضوع الردع والردع المقابل قد حكم العقل الإستراتيجي بين الدول الكبرى النووية خلال الحرب الباردة، حيث سعى الأمريكان والسوفيت لإمتلاك منظومة صاروخية نووية قادرة على تحمل الضربة النووية والرد عليها في ذات الوقت، ما خلق لدى الخصم إدراك بأنه سيواجه بضربة نووية  بنفس المستوى إذا ما أقدم على توجيه ضربة نووية إلى خصمه، ومن ثم أدرك الطرفان بأن إستخدام السلاح النووي يمثل الفناء لكل منهما، ليصبح السلاح النووي سلاحا سياسيا وليس عسكريا، لذا دخل الطرفان بالعديد من الإتفاقيات التي تهدف إلى تخفيض عدد الصواريخ النووية والسعي لتعزيز الثقة بينهم، وبتفكك الإتحاد السوفيتي إستطاعت الولايات المتحدة خلال العقدين السابقين والعقد الحالي الإنفراد كقوة عظمى وحيدة في العالم، ومن أجل المحافظة على هذا الإنفراد على المدى البعيد سعى العقل الإستراتيجي الأمريكي وإدراكا منه بأن القوة التي تمتلكها الولايات المتحدة غير كافية للدخول إلى فضاءات جيوبوليتيكية لا تزال مملوءة بقوة إقليمية كبرى تسعى لتطوير قدراتها بالشكل الذي يحد من الطموح الأمريكي في السيطرة المطلقة على العالم. فروسيا إستطاعت الخروج من حالة الفوضى التي تمخضت عن تفكك الإتحاد السوفيتي وهي تمتلك من القدرات والإمكانات الطبيعية والعلمية والإقتصادية والعسكرية التقليدية والنووية الكثير بالشكل الذي يمنحها إمكانية الدخول في تقاطع مع الإرادة الأمريكية للحد من طموحها والمحافظة على مناطق نفوذها في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى حيث المناطق الغنية بالنفط والغاز والموارد الطبيعية، كذلك وجود الصين -الدولة الأعلى نموا في العالم- والتي تسعى للخروج من كونها قوة إقليمية لتصبح قوة دولية كبرى، وكذلك إمتلاك كل من الهند وباكستان وكوريا الشمالية للسلاح النووي، وسعي إيران وغيرها من الدول التي تتقاطع مع الولايات الأمريكية إيديولوجيا وسياسيا نحو إمتلاك السلاح النووي، بالإضافة إلى إنتشار موجة العداء ضد أمريكا في العالم، كل هذا وغيره عزز الإدراك الأمريكي بضرورة إمتلاك قدرات أكبر تمنح أمريكا تفوقا على خصومها بالشكل الذي يمكنها من تنفيذ سياستها على الصعيد العالمي.
وإذا كانت الحرب في العراق 2003 والتي جاءت خارج إطار الأمم المتحدة وإستطاعت الولايات المتحدة من خلالها تحدي المنظومة الدولية المتمثلة بالأمم المتحدة، هذه المؤسسة الدولية التي منحت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية مسؤولية الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، حيث جعلت الولايات المتحدة تلك الدول أمام خيارين: إما القبول بالواقع الدولي الجديد الذي يتمثل بالإنفراد الأمريكي في إدارة العالم، أو الدخول معها في مواجهة عسكرية تحدد من له الحق في ذلك، وفي ذات السياق مشروع الدرع الصاروخي هو الآخر سوف يضع الدول النووية أو الدول التي تسعى لإمتلاك السلاح النووي أمام تحدي جديد وكبير، فهي إذا إستطاعت إمتلاك السلاح النووي فأنها بحاجة إلى الدرع الصاروخي إلى جانبه، وإذا ما امتلكت الدرع فهي بحاجة كذلك للسلاح النووي، كون من يمتلك السلاح النووي والدرع الصاروخي هو من يستطيع حسم المعركة لصالحه وهذا التحدي ليس بالسهل أمام الدول التي تمتلك السلاح النووي أو التي تسعى للحصول عليه، حيث لابد من قدرات مادية وغير مادية كون هذه المشاريع تحتاج إلى ميزانية مالية وخبرات كبيرة لا تتوفر لديها، وإذا حاولت إمتلاكها فأنها ربما سوف تنهار إقتصاديا والعقل الإستراتيجي الأمريكي من خلال مشروع الدرع الصاروخي يسعى إلى خلق إدراك لدى الدول النووية أو الساعية لإمتلاك السلاح النووي بعدم جدوى السلاح النووي في توفير الأمن بدون إمتلاك الدرع الصاروخي إلى جانبه، وهذه الإمكانيات لا تتوفر حالياً إلا عند الولايات المتحدة الأمريكية وبالتالي لابد من التسليم لها  في الإنفراد في إدارة العالم.

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2017 Ⓒ





التعليقات
اضف تعليق

X