اعلى الصفحة
dfgdfgdgfd
X


   حيثما وجد الشر يوجد الخير فهذه إحدى سمات الحياة، وهكذا الحال مع التطرف فحيثما وجد التطرف والغلو يوجد الإعتدال والوسطية في الوقت نفسه. الأمر الذي يعني أن التطرف سواء كان تطرفاً فكرياً أو سياسياً فهو موجود بغض النظر عن كونه تطرف ديني أو غير ديني، ولكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل التطرف من الفكر إلى السلوك، مما يعني الخروج عن منظومة القيم والسلوكيات السائدة في كل مجتمع، وتحوله إلى سلوكيات خطيرة من الكراهية والتطرف والعنف الممنهج.
  لعلنا نتفق أن البلدان التي تشهد تحولات إجتماعية وسياسية هائلة تحدث فيها أنعكاسات وسياسات تؤثر في المفاهيم والقيم السائدة، ولا شك فأن التحديات التي شهدها العراق بعد عام 2003 لم تقتصر على كونها تحديات سياسية فحسب، بل شهدت حالة أنقسام مجتمعي، وتحولات أقتصادية وإجتماعية غير مألوفة ساهم فيها عدم أستيعاب المرحلة الجديدة بكافة تحدياتها، وعن وجود بوصلة يمكن أن يسير عليها البلد بالأتجاه الصحيح. فالعراق ومنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 لم يستقر فيه نظام سياسي معين لتكون هناك إضافات نوعية وتراكمية، بل كلما جاءت أمة لعنت ما قبلها، مما جعل الأنظمة عبارة عن سلسلة تجارب، كل واحدة منها تلغي ما سبقتها، وهذا لا يحدث في الدول التي تشهد الأستقرار إذ يمكن أن تعقب الحوادث الكبرى مصالحة وطنية توقف أعمال العنف والتطرف بكل أشكاله.
  إن المشكلة الخطيرة التي يعيشها المجتمع العراقي تتمثل في النخب والقيادات الحاكمة، التي أستلمت مقاليد الأمور بعد التغيير لم تكن قادرة على إدراك وأستيعاب الحالة الجديدة بكافة تداعياتها وحيثياتها، بل نجد أن العقلية السياسية التي حكمت العراق الجديد تميزت بغياب الوعي بطبيعة المخاطر المحيطة بالعراق وتجنب الأعتراف بها، وسيادة عقلية الأنا ورفض الآخر، وهو ما يعكس حالة من التخبط الكبير التي تسود أغلب القيادات السياسية. فكل طرف من الأطراف يحمل في عقليته فكراً أحادياً تجاه الطرف الآخر، بمعنى أن كل طرف يرى أنه يمثل الخير والآخر يمثل الشر، وأن خطابه الفكري والسياسي غير قابل للنقد. ولا شك فأن هذا الفكر اليقيني المطلق في أحد دلالاته هو فكر إمحائي لا يؤمن بالآخر، ويسعى إلى إلغاء الفروق داخل المجتمع بكياناته ومكوناته وإقصاء خصوصيات الآخرين.
  إن ما تقدم كانت له تداعيات خطيرة على طبيعة المجتمع العراقي القائمة على التعدد والتنوع وأختلاف المكونات الأجتماعية والثقافية، فبدلاً من أن تكون عاملاً للوحدة والتضامن عبر دمج وأستيعاب هذه التنوعات الفرعية ودمجها في الإطار الوطني الجامع وجعلها عامل قوة للمجتمع، أصبحت عاملاً للفرقة ولتجزئة النسيج المجتمعي، مما ولد روح الانتقام والتعصب وغياب الثقة المتبادلة بين مختلف أطياف الشعب العراقي، الأمر الذي أدى إلى تعزيز الصراع والأختلاف بين أبناء البلد الواحد وهو ما عرض الأمن والسلم والتعايش السلمي لمخاطر عدة. ومما عزز من ذلك طبيعة البيئة السياسية القائمة في العراق التي بنيت أساساً على التجاذبات والتناقضات والتقاطع في المصالح والامتيازات بين مختلف القوى السياسية، والأصرار على الحصول على أكبر قدر من المزايا السياسية داخل الدولة على حساب الأطراف الأخرى المشاركة في العملية السياسية، مما أدى للعديد من الصدمات والأزمات للشعب العراقي الذي أصبح يستيقظ يومياً على صوت الخلافات بين مختلف المكونات السياسية غير الواعية لذاتها ومدى خطورة الأوضاع التي تمر بها البلاد، مما ساهم بشكل أو بآخر في زرع ثقافة الإنقسام بدلاً من الوحدة والمشاركة الفعلية في بناء الوطن.
  إنطلاقاً مما تقدم، ومن أجل تجاوز هذه الثنائية التطرفية الثنائية (الخير والشر) التي مزقت المجتمع العراقي، لا بُد من الإشارة إلى أنه لا يكفي للإنسان أن يسعى إلى ترتيب أمور حياته الدنيوية وأحوال معيشته، بل يجب أن يهتم أيضاً بترتيب فكره وسلوكه من خلال تنقيته وتطهيره من كل الشوائب التي تشوبه وتضلله، كون الفكر السيء المقيت يكون مدعاة وسبباً للفتن والأحقاد والكراهية، فعلى الرغم من أن ظروف ومقتضيات الحياة تتميز بكثرة المشاكل والتعقيدات، إلا أن ذلك يتطلب فكراً سليماً وعقلاً منفتحاً لتجاوز تلك الصعوبات وصولاً إلى مجتمع الرقي والمدنية.
وعليه، فأن تجاوز مظاهر الكراهية والغلو والتطرف في الأفكار، فضلاً عن الخطاب السياسي المتطرف يتطلب وجود بيئة سياسية ملائمة تسعى لإحتضان كافة الأفكار البناءة والمشاريع الممهدة لبناء الوطن وفق أسلوب موضوعي وعقلاني، ففي كثير من الدول كالولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا وجنوب أفريقيا وغيرها من الدول ذات الطابع التعددي، أصبحت قوتها في تعدد الجماعات فيها، إذ إستطاعت قياداتها السياسية أن تخلق أجواء من الحرية والديمقراطية والتسامح والتعايش القائم على الأسس الوطنية بعيداً عن الانتماءات الأثنية الضيقة.
  إن غياب الإعتدال والوسطية كمنهج لعقلنة التناقض المفتعل بين القيادات السياسية من جهة، وأطياف المجتمع العراقي من جهة أخرى بهدف أيجاد البديل العقلاني الذي يضمن أستمرار الحياة والتعايش السلمي في هذه المرحلة الحرجة، يستدعي أولاً تشخيص المشكلة وصولاً إلى وضع الحلول الناجعة لها. فإذا كانت طبيعة النظام السياسي القائم في العراق بعد عام 2003 لعبت دوراً سلبياً في تمزيق التعايش والأندماج بين أفراد المجتمع، عبر قيامه على أسس المحاصصة والطائفية والقومية، الأمر الذي ساهم في خلق هويات طائفية ومذهبية وعرقية ومناطقية على حساب الهوية الوطنية العراقية الجامعة، مما أفقد النظام إمكانية بناء مؤسسات الدولة القوية، والحفاظ على أهم مقومات التسامح والسلم الأهلي. فأن ذلك يتطلب بالضرورة وضع دستور جامع وقانون موحد لجميع فئات المجتمع على أساس المساواة والعدل، لا على أساس إمتيازات الطوائف والأثنيات والحصص والتقسيمات البعيدة عن جوهر المواطنة بالمفهوم المعاصر، بل على أسس المشتركات العابرة للهويات الفرعية وفي إطار الهوية الوطنية الشاملة.
  كما تبرز أهمية التأكيد على ضرورة إعادة بناء المنظومة الفكرية والثقافية للفرد عبر زيادة الوعي السياسي والاجتماعي والفكري لدى أبناء المجتمع من خلال إبراز قيم الوسطية والإعتدال ودورها في التعرف على الأحداث والمشكلات بنظرة واقعية لا مثالية، عبر ترسيخ مبادئ الحوار الديمقراطي وأحترام الرأي والرأي الآخر، بعيداً عن أحادية الرأي والتطرف المقيت، وصولاً إلى قناعات مشتركة تساعد على بناء تصورات ومقترحات لكيفية مواجهة تلك المشكلات مستقبلاً.
  فضلاً عن التأكيد على تجاوز الخلافات والتناقضات الموجودة بين مختلف القوى السياسية من خلال تعميق التعاون في المشتركات وخلق الثقة المتبادلة بين الأطراف المتناقضة، وتجاوز مجالات الخلاف والتناقض، فالنخب والقيادات السياسية التي تتولى إدارة البلد مطالبة بأنتهاج منهج وإطار جديد في طبيعة الخطاب السياسي العراقي المعاصر القائم على أساس سمو وعلوية طرف على الأطراف الأخرى، وعدم تقبل النقد للآراء والتوجهات المطروحة وكأن أشياء مقدسة لا يمكن المساس بها. والعمل بدلاً من ذلك على ترصين الجبهة الداخلية، والنأي بنفسها عن عوامل ومسببات الفرقة والأنقسام، عبر خطاباتها وأطروحاتها التقسيمية التطرفية، مع إمكانية تقنين ذلك قانونياً من خلال تشريع قانون يجرم كل من يخالف منهج الأعتدال، ويدعو إلى التطرف والطائفية بكافة أشكالها. فالواقع العراقي يؤشر أن العديد من القوى السياسية أصبحت تعيش على أسلوب خلق الأزمات والمشاكل التي تجد فيها ضمان أستمرار وديمومة مصالحها وأمتيازاتها، دون أن تملك القدرة على حل الخلافات والتناقضات الموجودة بينها، والعيش وفقاً لقواعد العقل والمنطق، والتوجه نحو عوامل تكريس الوحدة والتعايش السلمي، أنطلاقاً من أن المسؤولية ليست منفردة وأنما هي مسؤولية تضامنية ـــ تشاركية في سبيل الوصول بالبلد إلى بر الأمان.

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز
* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2017 Ⓒ



التعليقات
اضف تعليق

X