قضايا محلية

السياسة العراقية مابعد داعش.. قراءة مستقبلية

   في نظرة مستقبلية لأوضاع المنطقة, يمكن ان يكون العراق مهيأً لأستثمار الاوضاع الحالية وبما ستؤول اليه التفاهمات بين القوى التي بدأت وكأنها المتحكمة برسم خريطة جديدة بعدما توصلت الى حقيقة مفادها انه لا يمكن ان يكون رابح في الازمة السورية بسبب عدم تحقيق اي من طرفيها, الكسب الذي يؤهله لفرض شروطه على الطرف الاخر, ولهذا اجتمعت القوى المؤثرة في موسكو لأقرار تلك الفرضية بعد سنوات من الاقتتال بين النظام السوري وفصائل المعارضة, واذا ما احسن العراق التعامل مع معطيات الواقع الجديد, من خلال احتساب المنافع والمكاسب التي سيجنيها في ظل توجه الدول والتي تتحكم في المشهد السوري, نحو حل الازمة وبالشكل الذي يؤمن مصالحها, وذلك من خلال اعتماد البراغماتية والنفعية ليعود العراق من جديد قوياً ومؤثراً في محيطه الاقليمي, وهذا ما يتوجب على صانعي السياسة الخارجية العراقية ان يتنبهوا اليه في التعامل مع افرازات الواقع الجديد في المنطقة, وان يكون هذا النهج هو السائد في المستقبل من حيث ان اوضاع العراق وسوريا مترابطة وتؤثر احداهما في الاخرى, فالعدو الذي يتم محاربته واحد وان كان هناك اختلاف في قضية التدويل لأزمة سوريا لتداخل مصالح القوى الدولية والاقليمية فيها, فالعراق يواصل معركة طرد الارهاب والمتمثل بـ(داعش) والذي بلغ نهايته في المعركة الدائرة حاليا في الموصل اخر معاقل الارهاب في العراق وما ستؤول اليه نتائج تلك المعركة من انعكاس لترتيبات مرتقبة في الوضع الاقليمي للعراق من حيث استعادته لأراضيه التي كانت محتلة من قبل عصابات داعش ولهذا الامر تداعيات ايجابية لمسألة مكانة العراق وترتيباتها اقليمياً وهو يعني استعادة العراق لقوته العسكرية التي تراجعت منذ حزيران عام 2014 وهو عام احتلال ثلث اراضيه من قبل تلك العصابات, وعليه فأن مسألة استثمار تلك الانجازات العسكرية المتحققة من قبل القوات العراقية إنما تعكس توجهاً جديداً للسياسة العراقية وما ينبغي ان تكون عليه بعد تحقيق تلك الانتصارات والتي يجب ان تكون منطلقاً اساسياً لتصورات المرحلة المقبلة دولياً واقليمياً.ان احتلال داعش للأراضي في العراق وسوريا, فرض واقعاً غير تقليدي في المنطقة فهي المرة الاولى التي تحدث ان تنجح قوى من غير الدول ان تسيطر على مساحات شاسعة لدولتين منذ الحرب العالمية الثانية وبالتالي يمكن قراءة ذلك بأنه تهديداً لسيادة الدول في مرحلة شهدت تراجعاً مخيفاً من حيث استغلال ذلك من قبل الدول الفاعلة في هيكلية النظام الدولي لتحقيق اهدافها ومصالحها خدمةً لسياساتها الخارجية وذلك بأختلاق شتى الذرائع والحجج للتدخل في الشؤون الداخلية للدول ولهذا نرى ان ذلك اسهم في تراجع السيادة القومية لها من خلال استغلال قضايا حقوق الانسان وقضايا الديمقراطية وغيرها من الحجج التي تعمل على تسويقها تلك القوى للحصول على مكاسب ومنافع من خلال ذلك, ولهذا فأن صعود الدور الجديد للفواعل من غير الدول ومن ضمنها (داعش) قد افرز واقعاً جديداً في صعيد العلاقات الدولية من حيث تحكمه وسيطرته على مناطق كانت تحت سيادة وسلطان دول, لهذا فُرض امراً حديثاً في مجال تغيير قواعد اللعبة الدولية والموازنات بين القوى الفاعلة, وعليه فان تأريخ 10/6/2014 بدأ يؤرخ لمرحلة جديدة في العلاقات الدولية من حيث اتساع مدى الحرب على الارهاب وتشكيل تحالفات ذات طبيعة دولية واقليمية لمكافحة تلك الظاهرة التي اصبحت رقم واحد في العالم من حيث تعدد وسائل همجيتها وتعدد اعداؤها بحيث يمكن القول بأن الارهاب شمل العالم كله وليس نطاقاً جغرافياً محدداً وان كانت ولادة ذلك الفكر الهجين والمرفوض دينياً واخلاقياً وانسانياً في العالم العربي من حيث البيئة التي تسمح بأنتشار مثل تلك الافكار الهدامة وبالشكل الذي اوصل العالم بأسره الى تلك الحالة, فلم تعد اي دولة من العالم بمأمن عن الوقوع في خطر الهجمات الارهابية التي تلجأ اليها تلك العصابات الاجرامية وما تعرض الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وبريطانيا وغيرها من الدول الا دليلاً واقعياً لتلك المقولة, ونتيجة لذلك نجد بأن الاوضاع الحالية في العراق وما ستسفر عنه معركة الموصل والتي انطلقت في 17/10/2016 من استعادة الاراضي العراقية المسيطر عليها من قبل تنظيم داعش, هذه المعطيات يجب ان تستثمر من قبل المسؤولين في العراق للعمل وبقوة لتحديد اولويات المرحلة المقبلة وهي مرحلة مابعد داعش, هذه المرحلة تتطلب تظافر كل الجهود السياسية والخارجية لعكس صورة الانتصارات العسكرية والتي مثلت صورة جديدة لقيادة عسكرية تعاملت وبكل انسانية مع مشكلة التعامل الانساني ومراعاة ذلك الجانب مع المدنيين وبالتالي لم تُسجل حالة واحدة لخرق تلك المعطيات والتعامل المهني للقوات العسكرية بكافة تشكيلاتها سواء كانت جيش وقوات مكافحة الارهاب والشرطة الاتحادية وفصائل الحشد الشعبي والعشائري وكافة الجهود التي اثمرت بتحرير الارض ولهذا كانت الانتصارات العسكرية انعكاساً لتوجيهات القيادة العسكرية العليا والتي ركزت في بداية الحملة على انسانية المعركة والتعامل بشكل ايجابي مع المدنيين في خطوة لتحرير الانسان قبل الانسان.لهذا في قراءة موضوعية لمجريات الامور وعلى المستوى الاقليمي, نرى مجموعة من النقاط التي يجب التعامل معها ليعود العراق من جديد ليكون دولة ذات تأثير مباشر في المنطقة وذلك من خلال مايأتي:-1- استغلال ما يجري حالياً في سوريا وترتيبات بشأن حل ازمتها من خلال جمع الطرفين على طاولة مفاوضات واحدة وبرعاية الدول المؤثرة وقراءة المشهد الكلي للمنطقة بما يساعد على فهم خريطة الشرق اوسطية القادمة.2- ان الاتفاق جعل من تركيا طرفاً موثراً في المعادلة الاقليمية مع روسيا, ولهذا الامر نتائج على تغيير في التوجهات التركية السابقة والتي ركزت على هدف اسقاط النظام السوري قبل الشروع في اي مفاوضات مستقبلية مما يعني ان تركيا مسؤولة ضمنياً عما جرى في سوريا وذلك من خلال دعمها لفصائل مسلحة في سوريا لتحقيق اهداف السياسة الخارجية التركية والتي نرى تراجعاً فيها وذلك بقبولها ان تكون طرفاً ضامناً لتلك المجاميع المسلحة والتي تحارب النظام السوري وهذا بحد ذاته يؤشر انقلاباً في الموقف التركي, هذا ما دأبت عليه تركيا في سياستها الخارجية منذ اعتلاء حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا في عام 2002, مما يدل على السمة البراغماتية للتوجهات التركية في هذه المرحلة.3- هذه المرحلة تمثل فرصة روسية لأعادة ثقلها الدولي وذلك بعقدها اتفاقيات تسهم في حلحلة الازمة السورية والمستمرة منذ سنوات وبالتالي تدخلت روسيا في الحرب ضد الارهاب في سوريا في ايلول عام 2015 وهذا شًكل دعماً للنظام السوري مما يجعل العالم مهيئ لعودة ثنائية القطب.4- ان هذه التفاهمات والتوافقات بين روسيا والولايات المتحدة, ساهمت في تحديد مناطق نفوذ جديدة في المنطقة, فأحتلال داعش لأراضي من العراق وسوريا, قد وحد العالم بأتجاه هدف محاربة الارهاب والقضاء عليه, لهذا عملت الولايات المتحدة على تشكيل تحالف دولي ومن اكثر من 60 دولة لمحاربة داعش والتنظيمات الارهابية الاخرى, مما اعطى بعداً دولياً للقضاء على هذا الخطر الذي يواجه المجتمع الدولي برمته, بينما شكلت روسيا تحالفاً رباعياً مع العراق وسوريا وايران وبالتالي كانت تلك المنطلقات دافعاً لمزيداً من تهيئة الظروف الملائمة لمحاربة الارهاب.5- ان تحرير الاراضي العراقية من براثن الاحتلال الداعشي من قبل القوات المسلحة العراقية قد عزز من القدرة القتالية لها وبما ينعكس على اعادة الاعتبار لتلك القوات التي تعرضت لنكسة كبيرة عندما تمكنت العصابات الارهابية من احتلال المدن العراقية الواحدة تلو الاخرى والتي كان ابرزها مدينة الموصل في حزيران عام 2014, ولهذا نجد ان القوات العراقية وفي منحنى تصاعدي تمكنت من استعادة الروح المعنوية والقتالية التي عُرف عنها مما كان له اكبر الاثر في السياسة الخارجية والتي عملت وبجهود دبلوماسية لأستثمار تلك الانتصارات المدوية للقوات العراقية وبالشكل الذي يمكن العراق من لعب دوراً اقليمياً اساسياً في القضايا التي تخص المنطقة اذا ما توفرت الظروف المناسبة لذلك.6- ان بروز الحشد الشعبي كقوة قتالية افضى الى معطيات واقعية على الارض ولاسيما بعد اسهاماته الحقيقية في تحرير الارض العراقية واستعادته لها من قبضة داعش وهذه الامور جعلت القوة العسكرية تميل لجهة القوات العراقية والحشد الشعبي الذي اصبح موازناً لعمليات المعارك التي تتطلب اشراكه فيها, وقد جعلت القرارات الاخيرة والتي صدرت من القائد العام للقوات المسلحة والتي جعلت من الحشد الشعبي احد تشكيلات القوات المسلحة العراقية وبالتالي يتطلب ذلك مستقبلاً لها ما بعد داعش ان تعمل الحكومة العراقية على اعادة توظيف تلك القوات في الهيكلية الخاصة بالقوات العسكرية والامنية وبالشكل الذي ينسجم مع ما تم تحقيقه من انتصارات اشاد بها القاصي والداني.7- ان تعمل الخارجية العراقية على استثمار النصر العسكري الذي تحقق من قبل القوات المسلحة والحشد الشعبي وطردهم داعش من ارض العراق, على تعزيز تلك الانتصارات العسكرية من خلال الدعوة الى توضيح تلك وعبر قنواتها الدبلوماسية وايصال رسالة واضحة لكل العالم والذي كان متوجساً من مشاركة الحشد الشعبي في معارك التحرير وكما كانت تصور ذلك الماكينات الاعلامية المأجورة والتي ما انفكت تروج للدعايات المضللة وتصوير الحشد الشعبي بأنه ميليشيات طائفية تستند على توجهات ورؤى طائفية قادمة من وراء الحدود ولكن المعارك اتيت عكس ذلك من خلال التزامهم بتعلميات القيادات العسكرية وبالتالي عكست صورة مشرفة للفصائل المشاركة وبالشكل الذي جعلهم ينخرطون بالقوات المسلحة كجزء من تلك القوات, هذه الامور لابد ان تنطلق منها الخارجية العراقية لتوصيل رسالة سلام عراقية مفادها بأن تضحيات العراقيين وتوحدهم تحت قيادة واحدة ساهمت في تحرير الارض العراقية من دنس الارهاب على الرغم  من الدعايات المغرضة والتي تحاول الاساءة للقوات المسلحة والحشد الشعبي.8- التعامل الخارجي للدولة العراقية ووفقاً لمعطيات الواقع الحالي والذي اسهم في تحرير العراق من داعش وهناك تغييرات في سوريا قد تفضي الى تسوية للازمة السورية تسهم في اعادة صياغة خارجية تنسجم مع  ما تم تحقيقه على الارض وبالتالي التعامل ينطلق من استراتيجية قاعدتها الاساسية المصلحة العراقية العليا. الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2017 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات