لم يكن انهيار القوات الأمنية العراقية بتاريخ 9 حزيران 2014 وما تلاها من سيطرة داعش في المناطق الغربية مؤشراً على ضعف هذه القوات من ناحية العدة والعدد وفقدانها للشجاعة والقيادة الحكيمة، بل كان هذا الانهيار دليلا واضحا على فشل الساسة الذين هيمنوا على زمام الأمور في البلاد بسبب انتهاجهم صيغاً دخيلةً للحكم وغريبة على ثقافة وقيم وتقاليد الشعب، فالأحزاب الحاكمة لم تعي جيداً خطورة اللعبة التي أدارتها بشكل يجافي المنطق والعقل وبعيداً عن مصلحة الوطن والشعب، لقد كانت (مارينا اوتاواي) من مركز ويلسون للأبحاث على حق عندما قالت لصحيفة أسيوشيتد برس إن الهزيمة في الرمادي والمناطق السنية الأخرى ليست فشل الشجاعة، ولكن فشل السياسة، فالقوات العراقية لم تدخل في قتال مع داعش حتى تهزم بل إنها انسحبت وتركت ساحة القتال نتيجة الإحباط الذي أصابها من سياسات الحكام. لقد أسست الأحزاب الحاكمة في العراق بعد 2003 دولة الطوائف والمذاهب والقوميات، ولم تأخذ العبر من تجارب الماضي المريرة، إذ إن الوقائع التاريخية  تشير إلى أن الصراع الطائفي قد برز في بدايات تشكيل الدولة العراقية الحديثة، فقد سعت السلطات البريطانية منذ البداية إلى إقناع السنّة، بأن الحكم والمناصب المتقدمة في الدولة بمرافقها المدنية والعسكرية، هي حق لهم وحدهم، وإن أية مشاركة للشيعة ستكون على حساب السنّة، وبذلك نجحت السلطات في العهدين الملكي والجمهوري في إضعاف التماسك الوطني أولاً، وإضعاف دور الأكثرية الشيعية ثانياً، وعملت على محاصرة وطنية الشيعة بتهمة الطائفية على الرغم من أنهم ضحايا الطائفية، وبعد 2003 أعادت الولايات المتحدة سيناريو اللعبة الطائفية ولكن بشكل معكوس هذه المرة وذلك عندما سعى الحاكم المدني في العراق بول بريمر، بكل ما أوتي من دهاء إلى ترسيخ فكرة الطائفية لدى القيادات السياسية المختلفة لإقناعهم بالمشاركة في حكومة ترعاها حكومة البيت الأبيض، وهنا لا ننسى ما ذكره بريمر في كتابه  عام قضيته في العراق، بأنه كان يذكّر قيادات الأحزاب الشيعية بان الشيعة أغلبية في العراق وان من حقهم أن يتولوا زمام الأمور في البلد وبمشاركة الكرد والسنة. إن غياب الحس الوطني لدى حكام العراق بعد 2003 قد أعطى المساعي الأمريكية في اللعب بالمتناقضات العراقية زخماً واضحاً حتى أصبح المشهد السياسي العراقي غارقاً بالمفاهيم والمصطلحات والسلوكيات والخطابات الطائفية، الأمر الذي جعل الكثير من المراقبين للشأن العراقي يصفون العراق بأنه أصبح دولة فاشلة فاقدة لكل عناصر البقاء والاستمرار في الوجود، بل إن خطر التقسيم قد تصاعد بوجود انقسام واضح وكبير على مستوى المكونات العراقية التي وصل الأمر بها إلى الاستقواء بدول خارجية للوقوف بوجه من يشترك معها في الهوية العراقية. أمام هذه الملامح غير المطمئنة يتساءل الكثير منّا عن مستقبل العراق وعما ستؤول إليه الأحوال، وهل من أمل في عراق مستقر بعد القضاء على داعش؟ لا شك إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب منا نظرة موضوعية للماضي القريب واستقراء ما نعيشه من أحداث في الحاضر لنضع تصوراً لما سيكون عليه العراق في المستقبل. وهنا لا أريد ان أقع في شرك التشاؤم، بل هي وجهة نظر قد تصيب وقد تبتعد عن الصواب، لذا أقول إن هناك معطيات عدة لا تساهم في استقرار العراق من أهمها: 1- إن رسم حدود العراق الجغرافية بهذا الشكل قد تم على عجالة خلال الحرب العالمية الأولى من قبل بريطانيا وفرنسا من خلال الاتفاق فيما بينهما على تحديد مجال نفوذ كل منهما في الشرق الأوسط فيما لو تم إلحاق الهزيمة بالإمبراطورية العثمانية وحلفاءها، فكانت بلاد الشام من حصة فرنسا وبلاد مابين النهرين التي سميت فيما بعد بالعراق من حصة بريطانيا، وقد كان العراق وقتها يضم ثلاث مدن رئيسة هي بغداد والبصرة والموصل، ولم يأخذ الأوربيون بنظر الاعتبار آنذاك إن حدود العراق جمعت ثلاث مكونات هي العرب الشيعة في الجنوب والعرب السنة في شمال غرب البلاد والكرد في شمال شرق البلاد، وقد أدرك البريطانيون ان الدولة الجديدة من المحتمل أن تكون غير قادرة على حكم نفسها مما جعلهم يخططون لحكم البلاد إلى أن يصبح من الممكن تشكيل حكومة من العراقيين أنفسهم. 2- غياب الهوية الوطنية، فالبريطانيون اعتمدوا منذ البداية على العرب السنة في إدارة حكم العراق كونهم قد انخرطوا كضباط في صفوف الجيش العثماني خلال أربعة قرون من حكم العثمانيين للعراق، مما أثار حفيظة الشيعة والكرد الذين تمردوا مرات عدة على حكومة بغداد، لذلك فان الشعور بالولاء للوطن غائب عند العراقيين نتيجة الصراع على السلطة فيما بين المكونات الأساسية. 3- العامل التاريخي، فعلى امتداد حضارة بلاد مابين النهرين البالغ (8000) سنة لم تنشأ ديمقراطية تشبه إلى حد ما ديمقراطية أثينا، بل كانت الدكتاتورية هي السمة الغالبة على حكومات هذه الحضارة، وشاعت الانقسامات العرقية والدينية والقبلية. 4- وحشية النظام الدكتاتوري السابق قد خلفت لنا آثارا مأساوية يصعب معها إعادة الثقة مابين المكونات العراقية بشكل يفضي إلى العيش المشترك، فأثناء التمرد الكردي دمرت قوات صدام حسين 2000 قرية كردية وقتلت ما يقارب 200000 كردي ، وهذه الوحشية تكررت ضد الشيعة في الجنوب عندما انتفضوا ضد حكومة صدام حسين بعد عاصفة الصحراء في 1991، هذه الأحداث كانت حاضرة في أذهان العراقيين في 2006 و2014 والتي حدثت فيهما أعمال عنف طائفية كان من الصعب على الحكام السيطرة عليها. 5- وصول الفساد الإداري والمالي في العراق إلى درجة مرعبة مما حدا بمنظمة الشفافية الدولية والتحالف الدولي لمكافحة الفساد لوضع العراق بالمراتب الأولى ضمن الدول الأكثر فساداً في العالم، إن اختفاء أكثر من 330 مليار دولار من ميزانيات العراق للسنوات العشرة السابقة يؤشر حجم الفساد الهائل الذي نخر جسد الاقتصاد العراقي، ومما يزيد من حجم المشكلة إن من يقود عملية الفساد هي الأحزاب الحاكمة من خلال الاستيلاء على العقود وإطلاق سراح السجناء مقابل مبالغ طائلة وتوظيف الأموال العامة لبناء علاقات مع زعماء العشائر وبعض رجال الدين، لذلك من المستبعد أن تنجح محاولات كبح جماح الفساد لان الأحزاب الحاكمة نفسها تعتمد عليه في تحصيل الأموال التي توظفها لأجل استمرارها في الحكم، فمن غير المتوقع أن تضرب الحكومة آليات الفساد التي هي نفسها من أوجدتها. هذه المعطيات تمتلك تأثيرا كبيرا على ذهنية كل من يعمل على رسم مستقبل أفضل للعراق، فليس من السهل تجاهل الماضي كما انه من الصعب التحرر من ضغوطات الحاضر فضلاً عن غلبة المصالح الشخصية والحزبية والفئوية على المصلحة العامة والوطنية، لأجل ذلك فان مستقبل العراق في خطر ما لم تحصل تغيّرات جوهرية تاريخية قد تنقذ العراق من تقسيم محدق به.

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات