تحرير المدن من تنظيم داعش وإعادتها لسيطرة الحكومة المركزية هي أولويات رئيس الحكومة العراقية السيد حيدر العبادي الجديدة بعد ان كان شعاره وجل اهتمامه هو محاربة الفساد في بنية الدولة، هذا ما صرح به العبادي في اخر تصريحاته التي أثارت استغرابا لدى الكثير من المحللين وعدت تراجعا عما اعلنه سابقا، حيث اشار في احد التصريحات (بأنه غير مستعد على استبدال الكابينة الوزارية في الوقت الحاضر وان الأولوية هي لتحرير المدن...)، فبعد ان أمضى السيد العبادي القسم الاكبر من عمر حكومته بحمل شعله الاصلاح والتغيير تراجع اليوم بشكل دراماتيكي ليتجه نحو الوجه الآخر وهو العمل العسكري.من اشار على العبادي بترك جانب الإصلاحات والتفرغ للجانب العسكري؟ وهل توجه مجبرا على ذلك الطريق بعد وصوله الى قناعة بعدم جدوى السير للنهاية بهذا الطريق دون حصول نتائج تذكر؟.وبعيدا عمن نصح او من اشار فإننا نرى أسباب هذا التبدل منضوية في نقاط أهمها:1-    وصول العبادي الى قناعة بممانعة الكتل السياسية لأي مشروع للمساس بمصالحها ورفضها التغيير الذي يطال مناصبها بحجة الاستحقاق الانتخابي.2-    ان طريق الاصلاحات لابد ان يحظى بدعم وموافقة اقليمية ودولية وهذا ما لم يحصل عليه اتفاق لحد الان على اقل تقدير من جانب بعض الدول الاقليمية  كونه قد يطيح ببعض صقورها في العلمية السياسية.3-    ان عملية الاصلاح تتطلب تغييرا جذريا في بنية القضاء وبعض المواد الدستورية وهذا غير ممكن انجازه في الوقت الحالي على اقل تقدير في ظل تشظي سياسي وخلافات تصل الى حد الصدام في داخل الطائفة والكتلة السياسية الواحدة.4-    اتضح للعبادي ان اغلب القرارات التي اتخذها في موضوع الغاء مناصب ودمج اخرى هي قرارات غير دستورية او غير فعالة من جانب التقنين المالي، مما قد يضع نفسه في دوامة الخلل الاداري والقانوني.5-    تراجع وهج الدافع الشعبي والسياسي للمشروع ووجود عناصر الدولة العميقة المسيطرة على مقاليد مهمة في مفاصل الدولة قد تربك الوضع في حال تعرض مصالحها للخطر، مما قد يفتح جبهة اخرى في الوقت الحالي غير جبهة تنظيم داعش.6-    خوف العبادي من نشوب صراع شيعي- شيعي في وقت احوج مايكون به لوجود هدوء خلال هذه الاوقات.هذا ما نراه من اهم الأسباب التي جعلت السيد رئيس الحكومة العراقية يتراجع بشكل هادئ عن مشروعه الاصلاحي وشعاراته التي اطلقها في بداية ترأسه للحكومة في ايلول عام  2014 وبدأ بها في منتصف عام 2015، ورغم نفي المتحدث الرسمي لرئيس الحكومة بتراجع السيد العبادي عن مشروعه حيث ذكر الدكتور سعد الحديثي في تصريح (ان رئيس الوزراء حيدر العبادي عندما يتحدث عن صعوبة طريقة الاصلاحات لا يقصد انه يتنصل او يتراجع عن هذه الاصلاحات وانما يريد ارسال رسالتين الاولى للرأي العام والمواطن بأنه لن يتراجع عن طريق اختاره يعتقد انه الصواب والوسيلة الوحيدة لإعادة بناء الدولة العراقية على اسس سليمة توفر الحياة الكريمة للمواطن وترتقي بمستوى الاداء وبنفس الوقت تضرب الفساد والمفسدين وتعالج الاقتصاد العراقي بطريقة علمية حديثة)، وأضاف ان (الرسالة الاخرى هي للاطراف والجهات التي تسعى او تحاول عرقلة منهج الاصلاح وتضع العقبات بطريق رئيس الوزراء في هذا الاتجاه، لكنه لن يتراجع وهو ماض قدما به مهما كلفه هذا الامر).ورغم هذه التصريحات ونفي المتحدث الرسمي لرئيس الحكومة للتنصل عن مشروع الاصلاحات فان الواقع يتحدث عن شيء اخر، على مايبدو ان الرجل قد ضاق ذرعا بتصلب وتمسك الكتل السياسية بمناصبها وصلت الى حد التهديد بمقاطعة العملية السياسية بما فيها كتلته، والإشارات التي أطلقتها المرجعية الدينية في هذا الاتجاه بأسفها لعدم الوصول الى نتائج فعلية في جانب الاصلاحات بل واليأس ممن في السلطة من اجرائها على حد تعبير خطيب صلاة الجمعة في الصحن الحسيني الشريف.ان ما يحدث في العراق من فساد مستشر في اغلب مفاصل الدولة ويضر بإطنابها في أي اجراء يتخذ والتراجع عن مكافحته ينذر بعواقب وخيمة لا يمكن لأحد تكهن مسار احداثها فاليوم ورغم ان المتصدي للتظاهر هم تياري السيد الصدر والمدني، وعزوف اغلب فئات الشعب عن التظاهر فهذا لا يعني بقاء هذا الوضع على ماعليه للنهاية بل ان الكثير يضعون النهاية للسكوت عما يحدث من فساد في تحرير مدينة الموصل بعدها سيكون لكل حادث حديث، أي ان المشهد العراقي مرشح للتصعيد بشكل كبير في حال انتهاء المعركة مع داعش، او حدوث فاجعة متوقعة في منطقة ما كحادثة الكرادة.وعليه فإننا نرى:1-    على السيد العبادي أن لا يعول كثيرا على التحجج بالوضع الأمني للتراجع عن الاصلاحات فلا فائدة من تحرير ارض سيطر عليها تنظيم ارهابي نتيجة فساد حكومي دون معالجة المسبب، فقد تعود الامور الى بدايتها لان المسبب موجود وهو الفاسد والمفسد.2-    لابد للسيد العبادي من اتخاذ قرار واضح في صنع كاريزما له وايجاد كتلة سياسية في البرلمان العراقي والتحالف معها في تمرير الاصلاحات، وعدم التردد خوفا من اعتراضات بعض الصقور في كتلته او الكتل الاخرى، لان تردده سيذهب بالفرصة وعند فشل حكومته او الوصول الى طريق مسدود فأن الجميع سيحمله المسؤولية ويتنصلون عنه بما فيهم اعضاء حزبه.3-    البدء بتغيير أعضاء مفوضية الانتخابات والدعوة الى تشكيل كادر جديد ضمن استقلالية فعلية وبمراقبة دولية للانتخابات القادمة لضمان العدالة وعدم استغلال المناصب الحكومية والمال السياسي، وتكوين بداية صحيحة للعملية السياسية قد تنتج شخصيات تمثل الراي العام تمثيلا صحيحا وضمن قانون انتخابات عادل.4-    لابد من اعادة الثقة بالقضاء العراق بمنحه حصانة حقيقية وابعاده عن المزاج السياسي وتركه يتخذ القرار الشجاع في محاسبة رؤوس الفساد لا صغار السراق.من خلال متابعة المشهد العراقي والازمة المالية التي تضرب البلاد وكثرة الكلام عن الفساد في مفاصل الدولة فأن الوضع لن يعود للسكوت بعد هذه الاحداث بل ان المستقبل قد ينبأ بتصاعد التظاهرات، وقد تنفلت الى ثورة لن يستطيع احد السيطرة عليها حتى من دعا لها اليوم، وعندها لن يكون هنالك حديث عن اي سلمية.اننا نعتقد بأن محاولة تسطيح وتسذيج التفكير العراقي مرة أخرى وإعادة رسمه في صورة التخندق الطائفي والقومي للمحافظة على مكاسب سياسية لشخصيات وأحزاب متنفذة، يقابلها تراجع وخراب انساني وعمراني للبلد لن يفلح هذه المرة بعد ان اكتشف اغلب العراقيون ان هذ اللعبة قد أردتهم جميعا في بحبوحة الفقر ودمار البلد، ولذلك فأن من اشار على الدكتور العبادي بتغيير الأولويات وتركه او تأجيله للاصلاحات فأنه اما اخطأ خطئا فادحا او انه راعى مصالحه الشخصية والحزبية قبل مصلحة البلاد، وان ذلك سيذهب بالبلاد الى ثورة ستأتي على الأخضر واليابس ان لم يكن عاجلا بلا شك سيكون آجلا ولكنها ستأتي في نهاية المطاف وسيكون العبادي اول ضحايا هذا الخطأ القاتل. المقال يعبر عن رؤية ووجهة نظر مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات