قضايا محلية

نحو تحالفات سياسية عابرة للطائفية.. عراق ما بعد الإصلاح

    تموج الساحة العراقية ببحر من البرامج والدعوات والأماني الساعية لتحقيق تحالف سياسي عابر للهوية الطائفية التي فرضت نفسها بقوة منذ تأسيس الدولة العراقية والى يومنا هذا، عدا فترات خبأت الطائفية رأسها ولكن جسدها القوي ظل موجودا وقابلا للاستدعاء والاستيقاظ الشرس. ولكن هل الحلم الوردي في تحالف سياسي عابر للطائفية يمكن ان يتحقق في بلاد الرافدين؟ وبمعنى اخر ماهي معوقات بناء تحالف سياسي عابرا للهوية الطائفية؟.لا يمكننا ان نختزل فكرة المعوقات بعامل دون غيره، فلكل عامل القدرة الغريبة على الحياة وان يستمد قوته من العامل الاخر ويساهم بدوره بتغذية عامل اخر وهكذا في حلقة لا يمكنك ان تضع اليد على خطوط بداياتها او نهايتها... ولكن بشكل عام اهم المعوقات هي: العامل الديني - التاريخي، اذ يشكل الدين معين رئيسي للثقافة والحضارة والفكر والرؤى للمجتمع العراقي بجماهيره ونخبه، والاسلاميين لم يستطيعوا ان ينفكوا من البعد الطائفي كتطبيق عملي للدين نفسه، بمعنى اخر ان المعتقدات والعبادات والمعاملات الاسلامية تُمارس علانية باسم الاسلام ولكن عمليا بنسخة طائفية ومذهبية معينة شيعية او سنية؛ جعفرية او شافعية او مالكية او حنفية او حنبلية. ان الصراع التاريخي بين الطوائف الاسلامية هو حقيقة حاضرة في العقل الجمعي للمجتمع العراقي وبالتالي فأن اي دعوة لمثل هذا التحالف تحتاج الى جهود حقيقية تزيل هذا ألكم الهائل او على الاقل تفككه حتى لا يشكل عائق فعلي لتحقيق مثل هذا التفاعل.المعوق الثاني، هو المعادلة السياسية – الاقتصادية، التي حكمت تقاسم السلطة والثروة في العراق الحديث، فمنذ ما يقارب ١٠٠ عام من عمر الدولة العراقية الحديثة والممارسة السياسية تغذي مصطلح (نحن) و (هم)، وهذا من (جماعتنا) او (جماعتهم)... ان اخر حلقات الحكومات ما قبل الديمقراطية اي حكومة البعث الصدامي كانت قد كشرت عن انياب طائفية مزقت بعمق النسيج المجتمعي والتعايش السلمي مع ممارسة عالية النسق لسياسة الافقار الاقتصادي والفكري والمعرفي مصاحبا بعنف مؤسساتي ممنهج ومقنن، ليأتي سقوط النظام بمثابة الضوء الأخضر لجولة جديدة من المعركة الطائفية لإثبات الذات وترسيخ الأقدام وتحقيق المصالح للطائفة وجمهورها ورموزها. و ان تحالف عابر للطائفية يجب ان يكون مقنع لجمهوره ويملك من المبررات والاجوبة الكثير لان الثقة تكاد تنعدم بين المكونات الطائفية في العراق شك معمد برائحة الموت ولون الدم بين الطرفين.المعوق الثالث، البعد الاقليمي - الدولي؛ المعضلة الطائفية اليوم هي ليست مولود محلي الولادة انما هي كائن أخطبوطي يلعب به الاصطفاف الطائفي الاقليمي الشيء الكثير فبين (العمامة) الإيرانية و(العقال) السعودي تمزقت (العمامة والسدارة) العراقية، ناهيك عن أزمات المنطقة التي بدأت في سوريا ومرت بالبحرين ولبنان ولا تنتهي ببلاد العرب السعيدة. اما البعد الدولي الامريكي الروسي والأوربي والصيني فإنها كذلك تتعامل مع أزمات المنطقة بشكل عام والوضع العراقي بشكل خاص على انه صراع بين المكونات الطائفية التي فشلت في بناء الهوية الوطنية او دولة المواطنة والمؤسسات.المعوق الرابع، هي القيادات السياسية - الطائفية، في العراق تم إفراز طبقة سياسية كأنها حراس للمذهب وفرسان للعقيدة بمفهومها الطائفي، فرموز الطائفة ومناسباتها ومراقدها ومناطقها هي قلاع يجب الدفاع عنها نقية الولاء ومرتكزات لجلب الأصوات في الانتخابات والمقاتلين في الحروب والأموال (الحلال)... وبالتالي فأن فتح أبواب هذه القلاع قد يخسر أمرائها نفوذا واسعا ويجعلهم تحت طائلة علاقة جديدة غير محسوبة النتائج تعتمد على مبدأ المواطنة بدلا من المكونات ويكون السياسي هو موظف بدل ان يكون سيد في بلاد لطالما اخترعت اصنام من حجارة. ناهيك عن غياب القاعدة الفكرية والآيديولوجيا للرؤى بين صناع القرار في الطائفتين فالاختلاف يبدأ من توصيف الأوضاع الى الحلول الواجبة الاتباع، فعلى سبيل المثال الحشد الشعبي المقدس لدى معظم الشيعة هم مليشيات ولدى معظم السنة وبين الاثنين مسافة شاسعة بين القلوب والعقول والوصف.ان كل المعوقات هي معاول تحفر قبر عميق لأي محاولة لانشاء تحالف عابر للطائفية يملك رؤية وطنية مقنعة وقابلة للحياة في بلاد يرضع مواليدها مذهبهم مع حليب امهاتهم، غير ان المحاولات القائمة تبدو اكثر توجها لذلك وقد تفلح فيها ولو بعد حين خصوصا بتقارب تياري المدني والصدري الاسلامي. مركز المستقبل للدراسات الستراتيجيةhttp://mcsr.netالآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات