اعلى الصفحة
dfgdfgdgfd
X


    دخل العراق عام 2016، وهو يواجه مستقبل تشوبه الكثير من الضبابية بشأن بقاءه عراق موحد في اطار فدرالي ام اننا سنكون امام كانتونات عراقية مقسمة، فالعراق يواجه تحديات كبيرة اهمها الاقتصاد والتمويل فدونهما لا يمكن الاستمرار، ولنا في دول كبرى انهارت وتفككت بعد ان عجز الاقتصاد عن ردم تصدعاتها الامنية والسياسية والاجتماعية، مثال ذلك الاتحاد السوفيتي السابق انهار عام 1990 بسبب عدم قدرة الاقتصاد على ادامة متطلبات بقاءه عسكريا وسياسيا فاعلا ومؤثراً.

فالعراق دخل عام 2016 وهو يواجه الفساد المتعاظم والمافيات الاقتصادية والادارة المحدودة للدولة وللاقتصاد عموما والجماعات المسلحة والتنظيمات الارهابية (داعش) وحالات رفض وتمرد للكثير من المحافظات وقوى سياسية متنافرة ومتناحرة وازمة مالية كبيرة وعجز موازنة مزمن ومديونية متعاظمة ومتطلبات انفاقية ومظاهرات شعبية، فالحكومة على المحك وبإختبار كبير لم تشهده حكومة سابقة في العراق والمنطقة.

فهل سنشهد انهيار الحكومة بعد إفلاسها؟، وبعبارة اخرى هل ستطيح الازمة المالية بالحكومة العراقية (حكومة العبادي)؟، ام ستكون قادرة على احتواء كل المهددات المالية والامنية والاقتصادية والسياسية؟.

بعد سنوات عجاف من التدمير والحروب والنزوح والتهجير والكلف المادية والانفاق الكبير على العمليات العسكرية، ومنذ عام 2013 لم نزل نشهد تحدي (داعش) الذي يعد اكبر تنظيم إرهابي اكتسب سمعة دولية واسعة وتوسع نفوذه في المنطقة العربية عموما والعراق بشكل خاص للأسباب الآتية:

اولاً: حالة الضعف التي تعتري الدولة العراقية بسبب السجالات والانقسامات بين القوى السياسية بكافة اطيافها وقومياتها ومذاهبها.

ثانياً: ضعف التسليح وعدم جاهزية القوة العسكرية العراقية الوليدة.

ثالثاً: وجود تمويل خارجي قوي للتنظيم فضلا عن تمويله داخليا من خلال سيطرته على الموارد الطبيعية وخاصة النفط.

رابعا: وجود حاضنات للتنظيم في مناطق العراق التي سيطر عليها التنظيم وذلك استنادا إلى فروض نظرية الحرمان النسبي واللامساواة السياسية والاقتصادية (والاستبعاد والإقصاء) بالنسبة للمناطق المحتلة من وجهة نظر بعض سكانها مما حدا بهم إلى دعم التنظيم على حساب القوات الحكومية وخاصة في محافظات الموصل والانبار وصلاح الدين.

تمثل الكلف الاقتصادية التي ترتبت على وجود داعش في العراق اكبر قيد على الاقتصاد العراقي ومستقبله فلا يمكن النهوض بالاقتصاد وبمؤشرات التنمية البشرية وتحقيق مستوى رفاهية للعراق بوجود جماعات الظلام الإرهابية، وعليه سنركز على اهم المؤشرات الاقتصادية التي تشكل بمجملها محددات النهضة الاقتصادية في العراق وأهمها الآتي:

اولاً/ انكماش حاد في معدل نمو الاقتصاد العراقي

هناك ترابط وثيق بين الوضع الأمني والنمو الاقتصادي فكلما كان الوضع الأمني متدهور انعكس سلبا على الاقتصاد ككل بسبب توقف العجلة الاستثمارية للبلد وتدني الثقة بالاقتصاد سواء من قبل المستثمر الوطني أو الأجنبي، وعليه ومع تصاعد العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش نجد انكماش الاقتصاد العراقي بسبب توقف النشاطات الاقتصادية كافة وتوقف العمل الكامل في المحافظات التي تشهد عمليات عسكرية، وفي تقرير أصدره صندوق النقد الدولي في تشرين الأول 2014، اشر انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 2,7%، وذلك للمرة الأولى منذ دخول القوات الأمريكية بغداد عام 2003، وهذا الانكماش جاء بعد نموا بلغ 5,9% العام 2013.

في حين شهد عام 2015، مزيدا من الانخفاض في معدل نمو الاقتصاد العراقي اذ اشر معدل نمو سالب بلغ (1,2-) حسب احصاءات صندوق النقد الدولي وهذا جاء بسبب:

1- انخفاض أسعار النفط عالميا والذي ترك تداعياته على الموازنة العامة للدولة.

2- تعاظم حدة المواجهة العسكرية ضد الجماعات الإرهابية (داعش). وهنا نحن امام معادلة تتمثل بمتطلبات انفاقية كبيرة وخاصة الامنية مقابل شحة في التمويل، لذا فالاقتصاد العراقي هو الان في وضع (ازمة مالية متفاقمة) في ظل بقاء أسعار النفط منخفضة.

ثانياً/ تدني إنتاجية النفط العراقي

تعد جولات التراخيص النفطية هدف للحكومة العراقية من اجل زيادة الانتاج النفطي الى ما يقارب 12مليون برميل يوميا، الا ان وجود داعش دفع الى الابقاء على سقف الانتاج النفطي بحدود 3 مليون برميل مع وجود الشركات العالمية للنفط، فالتطورات الأمنية التي شهدها العراق في عام 2014 و2015 اثرت على القطاع النفطي العراقي، اذ توقفت عملية إنتاج النفط في المناطق التي تشهد عمليات عسكرية، وعاق عمل الشركات العالمية في عموم مناطق العراق بسبب المواجهات العسكرية وتقلص الإنتاج ما دون 2,9 مليون برميل يوميا خلال عامي 2014 و2015 بسبب سيطرة المجاميع الإرهابية على منابع وحقول النفط وخاصة في محافظة نينوى، فالتنظيم سيطر على 13 حقل نفطي ومصافي في شمال العراق ومنها حقلي (عين زالة) و(بطمة) العراقيين اللذين تبلغ طاقتهما الإنتاجية اليومية حوالي 30 ألف برميل من النفط الخام، وحقل (القيارة) الذي تبلغ إنتاجيته اليومية حوالي 7000 برميل، وتُقدر احتياطاته بحوالي 800 مليون برميل، وحقل (الدجيل) وكذلك الحقول الموجودة في الجنوب من تكريت، على حقل (حمرين) الذي يبلغ إنتاجه حوالي 5000 برميل/يوميا، وحقل (عجيل) الذي ينتج حوالي 25 ألف برميل يوميا من النفط الخام، و150 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وكل ذلك انعكس سلبا على الناتج المحلي للنفط في العراق وقيام المجاميع الإرهابية بعمليات تهريب النفط اذ يكسب تنظيم داعش ما لا يقل عن 4 مليون دولار يومياً بتهريبه للنفط، وبيعه في السوق السوداء بأسعار منخفضة جدا أقل من السعر العالمي بحوالي 75% حيث تبيع البرميل بسعر اقل من 17 دولار للبرميل وكل ذلك يتم من خلال وسطاء في المنطقة والذين يعملون على تهريبه إلى الدول المجاورة خاصة من كركوك والموصل الى تركيا وإيران، ويتولى شبكات دولية التنسيق والترتيب والإعداد لتهريب هذه الكميات الكبيرة من النفط على الدول، حيث يباع الصهريج الواحد بحوالي 10 آلاف دولار أمريكي، ووصل عدد الصهاريج التي كانت تهرب يوميا حوالي 60 صهريج يوميا.

ثالثاً/ تعرض الميزانية العراقية إلى ضغوط انفاقية كبيرة:

ان تدني أسعار النفط عالميا ترك تداعيات كبيرة على الموازنة العامة للحكومة العراقية بعد ان كان سعر النفط يقترب من 120 دولار للبرميل هبط الى اقل 30 دولار للبرميل، مما أسهم بزيادة نسب العجز في الموازنة العامة بسبب اعتمادها على عوائد تصدير النفط الى الخارج وبنسبة تقترب من 90 %، وهذا العجز بحد ذاته ادخل العراق في أزمة مالية خانقة وخطيرة ومهددة للأمن القومي العراقي لأنها متزامنة مع وجود تهديد امني يمثله تنظيم داعش فالميزانية العراقية تتعرض لضغوط كبيرة نتيجة زيادة الإنفاق الأمني وكلفة التعامل مع الأزمة الإنسانية التي تسبب بها تنظيم داعش، اذ هناك عدد كبير من النازحين ترتب عليه انفاق مبالغ كبيرة من اجل اقامة مخيمات للاجئين وكذلك توفير المواد الغذائية والطبية وغير ذلك من الخدمات، وعليه فالعراق مقبل على مرحلة أزمة تمويل كبيرة ستتفاقم في حالة بقاء العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش لان كلف الإنفاق على الدفاع والامن سوف تتعاظم بالوقت الذي نحن بحاجة الى تمويل لادامة متطلبات الحياة الكريم للشعب العراقي، فلنا ان نتخيل حجم التهديد المحتمل في ظل إفلاس الحكومة العراقية ووجود خطر داعش في العراق مستقبلاً.

رابعا/ توقف مشاريع الاستثمار في العراق وبشكل كامل

توقفت مشاريع الاستثمار في العراق وخاصة المناطق التي تشهد عمليات عسكرية وايقاف تنفيذ المشاريع في قطاعات الاسكان والبنى التحتية وتوقف القطاع الخاص وكذلك القطاع الحكومي قد ترك ذلك أثراً سلبياً على الاقتصاد العراقي، حيث هنالك 4 ملايين شخص من قوى العمل باتوا عاطلين عن العمل يضاف الى ذلك العجز الكبير بالموازنة العامة للدولة مما ادى الى تقلص الانفاق الحكومي وبشكل اثر على الانفاق الاستثماري بل ان الموازنة لم تستطيع ان تلبي المتطلبات الاستثمارية والتي توقفت بشكل تام وتم اللجوء الى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من اجل الحصول على القروض.

خامساً/ زيادة نسب البطالة والنزوح والفقر

ان العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش ادت إلى وقف النشاطات الاقتصادية كافة وهذا ترك تداعياته في زيادة نسب البطالة وتوقف العمل في دوائر الدولة ومؤسساتها بالمحافظات التي تشهد عمليات عسكرية وبالتالي توقف رواتب الموظفين يضاف الى ذلك عمليات التهجير القسري والتي ادت الى زيادة نسبة النازحين والمهجرين وبالتالي العيش في مخيمات تفتقر الى الخدمات الأساسية، مما ادى الى زيادة نسبة الوفيات وخاصة بين الأطفال وكذلك نجد ايضا ارتفاع في معدلات التضخم حيث وصل الى 6,2% عام 2015 بعد ان كان 1,9% عام 2013، وايضا شهدنا ارتفاع بنسب الفقر بشكل كبير جدا، اذ ان نسبة الفقر كانت قبل سيطرة داعش على بعض المحافظات 19% ازدادت إلى 30% بعد إضافة أعداد النازحين البالغ مليون و800 الف نازح على وفق بيانات الأمم المتحدة.

سادسا/ انخفاض القدرة التنافسية للاقتصاد العراقي

العراق يعاني اصلا من عدم الاستقرار السياسي والأمني والذي اثر على الاقتصاد العراقي عموما، وجاءت داعش لتزيد من ظاهرة عدم الاستقرار فيه وهذا دفع باتجاه فوضى اقتصادية عارمة وهذه الفوضى جعلت الرؤية الاقتصادية للعراق فيها الكثير الضبابية والغموض بعد احتلال داعش لثلث العراق وهذا شكل عامل مهم له تداعياته في القدرة التنافسية للعراق، فنحن بحاجة الى تدعيم قدرة العراق التنافسية عالميا من اجل النهوض بالاقتصاد العراقي وزيادة درجة تنافسية الاقتصاد وفق المعايير الدولية الخاصة بالأمن والاستقرار ودرجة الديمقراطية والقضاء ودرجة الفساد...الخ سواء فكلما تقدم العراق في درجة تنافسيته كلما زادت ثقة العالم الخارجي به وبالعكس كلما تدنت درجة تنافسية الاقتصاد كلما تدنت الثقة بالاقتصاد العراقي.

سابعاً/ الاستيلاء على السدود وتهديد الأمن المائي والغذائي العراقي

تنظيم داعش أدرك ما يسمى بحروب المياه التي طالما تحدث الاكاديميين عنها الا انهم حولوها الى حروب المياه الداخلية وهذا ما تقوم به داعش من استهداف للسدود في العراق بدءا من سد الموصل وسدة الفلوجة والثرثار وحديثة وبالتالي محاولته مسك ورقة ضاغطة على الحكومة العراقية، اذ بالامكان من خلال استيلائه على السدود ان يفرض تهديد محتمل على انتاج الكهرباء وكذلك الأضرار بالأراضي الزراعية فحجز المياه في سدة الفلوجة ادى الى غرق الكثير من الاراضي الزراعية فضلا عن هجرة 5000 مزارع بسبب غرق أراضيهم وهذا له تأثير كبير على القطاع الزراعي في العراق فسدة الفلوجة تؤثر على مناطق زراعية في الانبار وبغداد، ولا يخفى على احد حجم التهديد الذي يشكله سد الموصل وما يعتريه من تصدعات باتت تشكل خطرا بغرق الموصل باكملها وارتفاع منسوب المياه الى 25 متر وكذلك غرق بغداد، وهذا ما يتطلع له التنظيم باعتباره ورقة رابحة واخيرة له، وعليه يمكن القول ان داعش توظف قضية المياه والسدود بعملياته الارهابية وهي تمثل قضية امن قومي واقتصادي عراقي لان المياه والسدود تم توظيفها باعتبارها اداة مهمة في الحرب داخل العراق ويمكن ان تترك تداعيات اقتصادية كبيرة.

ثامناً/ السيطرة على المراكز التجارية المهمة في العراق

وجود داعش شكل اكبر عائق للنشاط التجاري في عموم العراق وخاصة الموصل التي تعد من أهم المراكز التجارية في العراق وذات أهمية اقتصادية كبيرة، وبالتالي فأن بقاء الموصل تحت سيطرة داعش يعني سيطرتهم على مفصل مهم من مفاصل الاقتصاد العراقي وكذلك سيطرتهم على بنك الموصل وسرقة أمواله وكذلك سيطرة التنظيم على مناجم الذهب الموجودة في الموصل وأيضا بالنسبة لمحافظة الانبار وما تمثله من طريق تجاري مهم وعليه فأن انتعاش الحركة التجارية أصبح رهين بتأمين طرق المواصلات والنقل بين محافظات العراق.

تاسعاً/ تدهور مؤشرات التنمية البشرية في العراق

لم تعد التنمية تقتصر على النمو الاقتصادي وانما اصبحت التنمية مرادف للرفاهية، ومع تصاعد المواجهات العسكرية مع داعش نجد تدهور كبير في مؤشرات التنمية البشرية في العراق والتي تشمل تدني مستوى التعليم بسبب حالات التهجير والنزوح وترك الدراسة وتوقف عن بناء مدارس فضلا عن تدمير كبير للجامعات والمعاهد في الموصل وصلاح الدين وتكريت والانبار وكركوك، مما اثر على الواقع التعليمي عموما واتجهت الوزارة الى عمليات النقل والاستضافة في ظل معالجات اثرت على جودة التعليم بشكل كبير، وبالمقابل نجد الواقع الصحي متردي جدا فضلا عن حالة التدمير للمستشفيات والمراكز الطبية وكذلك لباقي الخدمات الاخرى كالصرف الصحي والبنى التحتية والمواصلات وغير ذلك وهذا ادى الى تدني بمستوى الرفاهية التي تنشدها الحكومة العراقية وكل ذلك بسبب داعش فقد بددت الاموال والاصول والمؤسسات وكذلك الارواح فضلا عن حالات الهجرة والنزوح الجماعي مما جعل العراق في مواقع متدنية في مؤشرات التنمية البشرية.

مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية

http://mcsr.net

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز



التعليقات
اضف تعليق

X