التوجهات الدينية والاثنية والمذهبية والقومية في النسق السياسي لاتمثل في حد ذاتها فكرا رجعيا معاديا للحداثة والديمقراطية، فلابد ان تكون هناك نظرة حيادية ونزيهة تجاه هذه التوجهات في ظل النظام الديمقراطي، السؤال الاساس هنا، كيف نتعامل في اطار ديمقراطي مع المجموعات السياسية التي تستقي اجنداتها السياسية من المنظومات المبدئية والاخلاقية للاديان والمذاهب والقوميات؟ والسؤال الحاسم، هل ان الاحزاب الدينية والقومية تقبل الديمقراطية؟ ماهو موقفها منها على الصعيد العملي وليس النظري؟ هل تمارس هذه الاحزاب والكيانات الديمقراطية داخل تنظيماتها؟. يمكن القول بأن العلاقة بين التوجه الديني والقومي، والمعتقدات الديمقراطية، علاقة ممكنة. ويمكن لبلدان التحول الديمقراطي ان تبرهن على ذلك بشكل عملي، والتجربة التركية لازالت شاخصة، فهناك اصبح حزب العدالة والتنمية رغم كل الامور التي يمكن انتقادها، قوة سياسية في البلد وهو حزب لديه جذور اسلامية قوية وفي نفس الوقت شعوره بالالتزام بالمبادئ والخيارات الديمقراطية. في العراق هناك اعتراف بالديمقراطية من قبل الاحزاب الدينية ليس في ادبياتها لكن على مستوى المشاركة في العملية السياسية بعد 2003، لكن هل هناك اعتراف بسيادة القانون والمجتمع التعددي والتسامح الديني، والحفاظ على السلم الداخلي والخارجي، مع الاخذ بضرورة قياس الاقوال بالفعال؟. هذه الاحزاب تقر بالديمقراطية والتعددية كإطار سياسي لمشاركتهم بالعملية السياسية، لكن لازالت عملية مصالحة التقاليد والهوية الدينية والقومية مع متطلبات الديمقراطية مؤجلة. هذه الاحزاب تحتاج الى تحديث على مستوى الكوادر والقيادات والممارسات التنظيمية، وتحتاج لجان تطوير تجسر الهوة الفكرية على المستوى العملي مع الديمقراطية، لابد ان يكون هناك حوار ودعم للتغيير المستدام في سبيل الوصول الى مجتمع تعددي ديمقراطي موحد. سؤالنا الآخر لهذه الاحزاب والكيانات عن قدرتها وارادتها في اقامة دولة واحدة، مضطرة في زمن العولمة الى اقامة علاقات متوازنة اقليميا ودوليا، طلبا للسلامة واحرازا للشروط مع دول قد تتقاطع معها فكريا وايديولوجيا، علاقة المبادئ والمصالح؟. اننا بحاجة الى قراءة موضوعية للانقسام السني- الشيعي، والعربي- الكردي في العراق. فيما يخص اهل السنة، لابد ان نفهم اسباب افقاد نخبهم السياسية لاهليتهم في بناء الدولة منطلقين من ضرورة تفنيد الادعاء بأن دولة ماقبل 2003، قد كانت دولة سنية، بل الذي كان هو شكل دولة استبدادي اهم مضامينه الغاء الدولة بالسلطة. وعلينا ان نتأكد بأن الاكراد سيندمجون ضمن الكيان العراقي تحت مظلة الهوية العراقية، ويغادرون مطالبات الانفصال والتحدث بلهجة كرستان بدل العراق، ويطبقون النظام الاتحادي بسياقه الديمقراطي فدراليا، مع احترام طموحاتهم واحلامهم في الاستقلال. وعلى الشيعة ان يغادروا خطاب المظلومية وهواجس القلق من التكفير من الاخر، ونسيان قضية التهميش التاريخي على مستوى ادارة الدولة ومسك السلطة. على هذه القوى ان تؤمن بالديمقراطية وتكون هادفة الى تظهير ان الاشكالية ليست مذهبية او قومية، بل هي اشكالية سياسية. لكن الى الآن هنالك تموضع في الاشكاليات الفرعية في الفعل السياسي يلغي ملامح الدولة العمومية، لأن الدين والقومية عندما يتشكل سياسيا او حزبيا فأنه يذهب الى إطار تموضعه الحصري المذهبي والايديولوجي، فلا يقوم الا على التعصب الذي هو نفي حتمي ونهائي للاخر الديني والقومي، حتى وان كان خطاب الوحدة هو الرائج والمعلن، فأن المضمون الحقيقي هو التموضع المذهبي والعنصري، والذي من اجل ان يبرز نفسه سياسيا يوغل بعيدا في تسليح عمارته بالايديولوجيا الفصالية المتحقق منها او المصطنع. واذا كان هناك مسار وحدوي معقد ولا سياسي، فأن الوحدة الشيعية والسنية والكردية التي يمكن ان تتحقق هي اقرب الى الحالة التضامنية المؤقتة، وهذا لايلغي احتمالات الانقسام والصراع لاحقا، خصوصا ان المتحقق من النصاب الوحدوي السني والشيعي والكردي في العراق حاشد بالالغام القابلة للانفجار في اي لحظة. لكن اذا كانت القوى السياسية الحاكمة في مواقع صنع القرار لم تثبت نيتها وجدارتها في الحفاظ على الامل، فأن المرجعيات الدينية قادرة على ذلك ولانشك في عدالتها ونزاهتها وحرصها على كرامة المواطنين والوطن وهناءة عيشهم، وبدأ هذا فعلا الان، اذ تحولت اعتراضات المرجعيات الدينية من السر الى العلن، وهناك رغبات مشروعة للمرجعيات الدينية في النهوض بالعدالة والنزاهة والتنمية والديمقراطية والشفافية وتطبيق القانون وفصل السلطات واولوية الامن، نحتاج ان نستثمر هذه الرغبات الى فعل تغييري، والمرجعيات قادرة على ان تجد في كل المناطق والطوائف والاثنيات حاملا اجتماعيا وطنيا لها، اوسع في قاعدته من مجموع قواعد القوى السياسية، نحتاج الى ان نحول هذه الرغبات والمناصحات الى حركات ضاغطة منظمة من اجل التصحيح والتغيير، وهذا سينجح لان المرجعيات الدينية غير متهمة كونها لاتحمل مشروعا سياسيا خاصا، وهذا من اهم مؤهلاتها للفعل. اذا كانت المرجعيات تحتاط على طريقتها ولها نسق خاص في التعبير عن مواقفها السياسية بشكل غير مباشر، فشأنها اليوم يحتاج الى ان تكون القوة الرافعة للمشروع الوطني العراقي وتحقيق النصاب الوطني، ولابد ان تملأ الفراغ الذي يتسع ويتعمق ويهدد الجميع. ان المرجعيات الدينية اثبتت انها تملك مقومات اقامة الربيع الديمقراطي االعراقي، كما اختبرنا هذا فيها لاكثر من مناسبة في تاريخ العراق. ومن الممكن طرح بعض التوصيات التي من الممكن ان تحافظ على تحقيق النصاب الوطني العراقي مع الاحتفاظ نسبيا بديمقراطية العملية السياسية: 1- الاستمرار بدعم عملية التحول الديمقراطي في العراق سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، ونبذ التفكك والاحتماء بالهويات الفرعية وصولا للديمقراطية الناضجة. 2- صياغة مشروع وطني جديد يقوم على الديمقراطية، عبر الاعتراف بوحدة الدولة وصيانة التعددية بكل تفرعاتها. 3- تبني آلية رعاية مؤتمر وطني تأسيسي، يركز على ضرورة تحقيق النصاب الوطني، ولابد من سؤال المرجعيات الدينية بهذا الامر لغرض رعايته، فهي الاقرب للواقع العراقي ولمقبوليتها الوطنية وقدرتها على التعبير الوطني الشامل. 4- التركيز على المصالحة الفعلية بين المكونات العراقية، بالتأكيد على الفعاليات المشتركة الحرة لمكونات المجتمع الاساسية، واقرار قوانين التشكل الوطني من جديد. 5- ارساء المؤسسات والعمليات الديمقراطية الى جانب المشاركة والتعددية، مع ضرورة التعامل في هذا الاطار مع المجموعات السياسية التي تستقي اجنداتها من المنظومات المبدئية والاخلاقية للدين والقومية. 6- من الضروري ان نسعى للحوار مع القوى المعتدلة خاصة حول تحديد علاقة الدولة بالمجتمع، والسياسة والدين والقومية، فالاعتدال يمتلك فرصة للتطور ونيل اغلبية في البناء الديمقراطي الوسطي المعتدل. 7- الخوض في قضية الديمقراطية عبر المؤسسات الفاعلة والمشاركة النشطة، وزيادة دور المجتمع والفرد في الضغط بأتجاة دمقرطة النظام السياسي وعدم الاكتفاء بدور المراقب. 8- التعامل مع الشراكة ومع الاتفاقيات السياسية كمقدمات ضرورية وملحة، بدلا من التعامل معها كنتيجة انتخابية مؤقتة لتشكيل حكومة او تشكيل تحالفات سياسية. 9- تفعيل المجتمع المدني ومنظماته، ووسائل الاعلام، وقدرتها على صياغة علاقة جديدة، هي علاقة المواطنة الحقيقية. 10- تبني خطاب سياسي واعلامي مبني على اسس وحدة الدين والبلد، وتقديم الخيارات الوطنية المتاحة وفق الدستور، وصنع سياسات عامة على هذه الاطر تنسجم وتطلعات الرأي العام العراقي وليس النخبة السياسة فقط، من خلال ميثاق شرف سياسي اعلامي بمباركة الاطراف الفاعلة والمؤثرة في صنع واتخاذ القرار العراقي.   مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية http://mcsr.net الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات