قضايا اقليمية

السياسة الخارجية المصرية بين محددات الداخل وتحديات الخارج

    القراءة التاريخية لسياسة مصر الخارجية يؤشر وفقا لتفاعلات البيئة المحلية ومن نقطة البدء هذه أن انتفاضة 2011 أشرت منعطف جديد للسياسة الخارجية المصرية اذ تراجعت الشؤون الخارجية إلى الوراء وأفسحت المجال للمخاوف الداخلية لتكون عاملا محددا على مساراتها وتوجهاتها، وعلى العموم فان الحقبة التي أعقبت التغيير السياسي في مصر اشر نهجين متناقضين في السياسة الخارجية المصرية بين حكومة مرسي وعبد الفتاح السيسي في أعقاب ثورة 30 حزيران/يونيو الذي ركز جل اهتمامه على معالجة الانتكاسة التي منيت بها السياسة الخارجية أبان حكم الاخوان اذ ظهرت اتجاهات كارثية في السياسة الخارجية لمصر كون تلك الحقبة شهدت اعادة تحديد أولويات الأمن القومي كما كانت مصالح الجماعة تطغى على مصالح الدولة، الأمر الذي أثار مصادمات مع جهاز أمن الدولة، والجهاز البيروقراطي للدولة المسؤول عن تنفيذ السياسة الخارجية. والآن تتحرك السياسة الخارجية المصرية وفقا لمزيج من الإرث التاريخي المتمثل في الحكومات السابقة ومعالجة أسباب الانتكاسة التي تعرضت لها السياسة الخارجية. ان بوصلة السياسة الخارجية المصرية تتحكم بها معادلة ذات بعدين: البعد الأول: يتعلق بمحددات البيئة المحلية من قبيل الرأي العام المصري والوضع الاقتصادي ومعالجة أخطاء السياسة الخارجية إبان حكومة مرسي في ظل حكم (الإخوان المسلمين) والاهم من ذلك هناك معسكران أيديولوجيان يتنافسان بشدة داخل أروقة صنع القرار المصري الأول؛ معسكر قومي والآخر معسكر ليبرالي. فالمعسكر الأول يفضل دولة قوية تمثلها مؤسسة أمنية وجيش قويان، بينما يعارض المعسكر الثاني فكرة لعب المؤسسة الأمنية والعسكرية دوراً كبيراً في الحكم. وكلا المعسكرين يحظيان بتمثيل جيد في هيكل السلطة الحالي وقدر تعلق الأمر بإستراتيجية الشؤون الخارجية المصرية يتفق هذان الفريقان على الأهداف العليا رغم اختلافهم على دور المؤسسة العسكرية. البعد الثاني: فيتمثل بقوى البيئة الإقليمية والدولية والاستقطاب والمحاور التي تشكل في المنطقة، فبعد ثورة 30 حزيران /يونيو انتهجت مصر سياسة خارجية عقلانية قوامها الانفتاح ومحاولة تصفير مشاكلها مع جيرانها سوريا وأثيوبيا ودول مجلس التعاون الخليجي وميلها نحو استخدام القوة الناعمة في معالجة الكثير من التحديات التي تواجهها لكن يبقى أهم التحديات التي تواجه السياسة الخارجية المصرية في هذا السياق هو تعارض توجهاتها مع المشاريع الجيواستراتيجية التي تتبناها تركيا وإسرائيل من جهة والموقف من إيران من جهة أخرى، فمصر وتركيا هما أكبر دولتان تضمان غالبية مسلمة في شرق البحر الأبيض المتوسط. وتعد كل منهما نفسها قوة إقليمية وان الفوضى في الشرق الأوسط أدت إلى وضع العديد من العلاقات قيد الاختبار، وليس أقلها العلاقات المصرية – التركية، فبعد وقت قصير من سقوط الرئيس المصري السابق حسني مبارك في عام 2011، أصبحت تركيا من المؤيدين الإقليميين الرئيسيين لمصر. لكن عندما تمت الإطاحة بالرئيس الجديد محمد مرسي في عام 2013، غيّرت تركيا من مسارها. ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة في مصر، سرعان ما أصبح الخصام بين البلدين من الخصومات الرئيسية في بلدان المشرق العربي. وازدادت العلاقات ما بين مصر وتركيا بالتدهور بشكل أكبر في أعقاب قرار مصر شن هجمات جوية ضد أهداف تنظيم داعش في مدينة درنة الليبية في 16 شباط/ فبراير وقد دعمت الحكومة الليبية والجيش في طبرق هذه الخطوة، إلا أن الفصائل، والكثير منها إسلامية، التي استولت على طرابلس تحت اسم (المؤتمر الوطني العام الجديد) عارضتها بشدة، كما دعمت مصر والإمارات العربية المتحدة حملة الجنرال خليفة حفتر ضد الميليشيات الإسلامية التي قيل إنها مدعومة من تركيا. وعلى المدى القريب، يبدو من المرجح أن تتزايد وتيرة التنافس الإقليمي بين مصر وتركيا حتى إن السيسي استعمل في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 ورقة قبرص، وعقد قمة ثلاثية مع الرئيسين القبرصي واليوناني للترويج لصفقة توريد الغاز الطبيعي من الحقول الواقعة تحت البحر قبالة سواحل قبرص إلى مصر. ومن شبه المؤكد أن السيسي كان يسعى إلى تحدي السلطة التركية في شرق البحر الأبيض المتوسط. وكما أصيبت تركيا بخيبة أمل من عدم دعم مصر لأنقرة بشأن القضايا المتعلقة بقبرص، استاءت القاهرة من شراكة تركيا الوثيقة مع إسرائيل، والتي فاقت العلاقات المصرية الإسرائيلية. ومن غير المرجح أن تتعافى العلاقات التركية المصرية في المستقبل القريب، وفي الواقع، من المحتمل أن تزيد المنافسة الإقليمية بين السلطتين من تغذية النزاعات القائمة بدءً من غزة مروراً بقبرص ووصولاً إلى العراق. التحدي الآخر الذي يواجه السياسة الخارجية المصرية هي العلاقة مع إيران إذ تتحاشى الانفتاح على إيران وتوثيق العلاقات معها بسبب الاستقطاب الطائفي الذي تشهده المنطقة والاهم من ذلك تخشى الحكومة المصرية خسارة الدعم الخليجي، باستثناء قطر، ولاسيما السعودية والإمارات مع ذلك تحاول تبني نهج معتدل في حيال إيران بشكل لايستفز الرأي العام أو دول الخليج وهو ما حصل إبان حكومة مرسي إن تحسن علاقات مصر مع إيران أضر بشكل كبير بعلاقاتها مع دول الخليج الأخرى والممالك العربية، باستثناء قطر. فالعلاقات بين مصر والإمارات العربية المتحدة عانت من انتكاسة كبيرة أبرزها اعتقال نحو أحد عشر عضواً من أعضاء (الإخوان) المصريين اتُهموا بالإرهاب. كما أن العلاقات السعودية المصرية قد تدهورت هي الأخرى، حيث تم استدعاء السفير السعودي أكثر من مرة. بل إن ملك الأردن نفسه وصف مرسي بأنه لا يحظى بأي "عمق" في فهم القضايا المعقدة في المنطقة.   مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية http://mcsr.net الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات